اسماعيل الشريف : هرمجدون
«الحرب
بين "إسرائيل" وحماس قد تنبأ بها سفر الرؤيا في إنجيل يسوع المسيح، ولا
يمكن لأحد أن يفعل شيئًا حيال ذلك». ضابط في سلاح الجو الأمريكي.
في
الرابع من الشهر الجاري، صعد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيت إلى منصة
مؤتمر صحفي عقده البنتاغون، بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال
دان كاين، خُصِّص لإطلاع وسائل الإعلام على آخر مستجدات الحرب على إيران.
وفي
سياق ذلك المؤتمر، لم يتوانَ الوزير عن الإفصاح بصورة مثيرة للجدل عن
طبيعة العمليات الجارية، إذ تباهى بالقدرات العسكرية الأمريكية وبما أوقعته
من موت ودمار في صفوف الطرف الإيراني، قائلًا بلهجة استعراضية صريحة: إن
طائراتنا تجوب أجواء إيران على مدار الساعة، ليلًا ونهارًا، في مهمة مستمرة
لرصد المنظومة الصاروخية الإيرانية والبنية التحتية الصناعية الدفاعية،
وتحديد إحداثياتها ثم تدميرها.
وذكر
هيغسيت أن قوات بلاده تتعقب القيادات العسكرية الإيرانية وتحدد أماكن
تمركزها، مؤكدًا أن الطيران الأمريكي يسيطر على أجواء طهران والأراضي
الإيرانية كافة، بما فيها أجواء الحرس الثوري، وأن القادة الإيرانيين باتوا
لا يرون في السماء سوى الطائرات الأمريكية و"الإسرائيلية" في كل لحظة من
لحظات اليوم، إلى أن تقرر الولايات المتحدة وحدها إنهاء هذه العمليات.
كما
كشف أن منظومة متكاملة من الطائرات المسيّرة والقاذفات الاستراتيجية من
طراز بي-1 وبي-2 وبي-52 توظَّف في انتقاء الأهداف وضربها بالقنابل
والصواريخ على مدار اليوم. ثم ختم تصريحاته بعبارة لافتة، إذ قال بوضوح
تام: لم يكن مقررًا لهذه المعركة أن تكون متكافئة، وهي فعلًا ليست كذلك؛
فنحن نضرب وهم يسقطون.
هذا هو
وزير الدفاع الأمريكي؛ الرجل الذي تقدّمت بحقه شكاوى موثّقة من عسكريين
أمريكيين، أفادوا فيها بأنه صرّح لهم في لقاءات مغلقة بأن الحرب مع إيران
ما هي إلا الشرارة الأولى لحرب آخر الزمان، أو ما يُعرف بـ"هرمجدون"، وأنها
تمثّل تمهيدًا لعودة السيد المسيح.
وقد
أفضت هذه التصريحات إلى تأثير واضح في بعض الضباط الذين نقلوا هذه
القناعات إلى منتسبيهم، مقدِّمين لهم مهامهم القتالية باعتبارها رسالة
إلهية لإنجاز نبوءة توراتية، وأن هذا الصراع ليس سوى إحدى حروب نهاية
الأيام. وقد تلقّت مؤسسة حرية الدين العسكرية موجة من الشكاوى من فروع
عسكرية متعددة، أكد أصحابها أن بعض الضباط راحوا يبثّون في الجنود معتقدات
من قبيل أن الله قد اختار الرئيس الأمريكي أداةً لإطلاق فتيل الحرب مع
إيران، تمهيدًا لهرمجدون وما يعقبه من عودة المسيح.
أما على الصعيد الفكري، فقد كشف هيغسيت عن قناعاته الأيديولوجية العميقة في كتابه "American Crusade" (الحملة
الصليبية الأمريكية)، إذ زعم فيه بأن الإسلام لم يكن دين سلام في أي حقبة
من حقب التاريخ، مؤكدًا في موضع آخر أن المسلمين يسعون إلى اختراق أوروبا
ديموغرافيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أبدى إشادةً
صريحة بالحروب الصليبية، زاعمًا أن كل من ينعم بخيرات الحضارة الغربية
مدين بالشكر للصليبيين. ولم تبقَ هذه الأفكار حبيسة الصفحات؛ إذ حرص على
تجسيدها على جسده، فوشم على ساعده شعار الصليبيين الشهير "Deus Vult" أي "الله يريد ذلك"، فضلًا عن حمله صليب القدس الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالحملات الصليبية في الذاكرة التاريخية.
منذ
عقود طويلة، كانت الصهيونية المسيحية حاضرة بصمت في دوائر صنع القرار
الأمريكية، يؤمن بها كثير من أصحاب النفوذ السياسي لكنهم يحرصون على
إخفائها عن العموم. غير أن المشهد اليوم قد تبدّل جذريًّا؛ إذ خرجت هذه
العقيدة من الكواليس إلى الواجهة، وبات السياسيون يجاهرون بها دون مواربة.
وللمرة الأولى في التاريخ المعاصر، يتحدث مسؤولون أمريكيون على الملأ عن
هرمجدون وحروب آخر الزمان، ويُقدّمون التوترات المشتعلة في منطقتنا بوصفها
مواجهة عقائدية حتمية، تتشابك فيها خيوط الرؤية الدينية مع مساعي تحقيق
مشروع "إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل". وقد بلغ هذا التوظيف
الأيديولوجي لصراعات المنطقة حدًا مثيرًا للقلق، إذ بات هذا المنظار
العقائدي يطغى على كل اعتبار آخر، حتى أعمى أصحابه عن رؤية مصالحهم
الاستراتيجية الوطنية ذاتها. ــ الدستور