الأخبار

رومان حداد : الدفاع الفسيفسائي الإيراني في مواجهة الذكاء الاصطناعي لإطالة عمر الحرب

رومان حداد : الدفاع الفسيفسائي الإيراني في مواجهة الذكاء الاصطناعي لإطالة عمر الحرب
أخبارنا :  

دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الرابع، ولا يبدو أن نهايتها قريبة، وتعمل إيران على تمديد عمر الحرب وزيادة كلفتها على الولايات المتحدة وإسرائيل وباقي دول العالم، ولإطالة عمر الحرب، بدأت إيران تعتمد تدريجياً على ما يسمى بـ(الدفاع الفسيفسائي)، وهو نموذج من الدفاع تحاول الدول من خلاله موازنة اختلال ميزان القوة في الحروب، خصوصاً عندما تواجه خصوماً يمتلكون تفوقاً ساحقاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والاستطلاع والضربات الدقيقة.

 

يقوم هذا النموذج على تفكيك القوة العسكرية الإيرانية إلى وحدات صغيرة موزعة جغرافياً وقابلة لإعادة التجميع عند الحاجة، حيث لا تهدف إيران إلى تحقيق التفوق، بل تقليل قابلية الاستهداف وزيادة فرص البقاء، مع محاولة مستمر لامتصاص الصدمة ومن ثم إطالة أمد الحرب لرفع كلفة الحرب على الخصم.

وفي الحرب الإيرانية الحالية، يكتسب الدفاع الفسيفسائي أهمية مضاعفة، فإيران تواجه نموذجاً مركباً من التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي، يجمع بين الذكاء الاصطناعي والاستطلاع الفضائي والحرب الإلكترونية والقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، كما أنها واجهت استهدافات مباشرة وقاتلة للمستويات القيادية الأولى والثانية، وهذا النوع من التفوق الأميركي الإسرائيلي على إيران يجعل أي تمركز تقليدي للقوات أو المعدات الإيرانية هدفاً سهلاً، وهو ما يدفع إيران نحو تبني استراتيجيات قائمة على وحدات قتالية صغيرة ومرنة، وقد يتطور الأمر ليتم تبني لا مركزية القرار العسكري.

تطبيق طهران لنموذج الدفاع الفسيفسائي يمكن ملاحظته من خلال توزيع منصات الصواريخ وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والاعتماد على شبكات لامركزية في إدارة العمليات، ويضاف إلى ذلك عنصر آخر وهو محاولة إيران توسيع هذا النمط خارج حدودها عبر دعم ميليشياتها الحليفة في الإقليم، معتقدة أن ذلك يعزز قدرتها على المناورة ويفرض على خصومها القتال في أكثر من جبهة.

لكن فعالية هذا النموذج تبقى موضع شك في ظل طبيعة الخصم الذي تواجهه إيران، فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تواجهان هذا النمط بأساليب تقليدية، بل تعملان على دمج الذكاء الاصطناعي مع قدرات الاستشعار المتقدمة لتحويل هذه (الفسيفساء) في الدفاع إلى شبكة أهداف مترابطة يمكن استهدافها بشكل متسلسل، ما يغير معادلة الدفاع الفسيفسائي، حيث ان النمط الأميركي الإسرائيلي يحول عامل قوة هذا النوع من الدفاع، وهو اللامركزية أو التشتت، إلى نقطة ضعف، وذلك عبر كشف الروابط بين الوحدات التي تبدو لامركزية أو مشتتة.

كما أن نجاح الدفاع الفسيفسائي يعتمد على وجود شبكات اتصال وتنسيق عالية الكفاءة، وهذه الشبكات نفسها باتت عرضة للاختراق والتشويش في بيئة حرب إلكترونية متقدمة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، فكلما حاولت إيران تقليل بصمتها الإلكترونية والاعتماد على اللامركزية البشرية، زادت قدرتها على البقاء، لكنها في المقابل تفقد جزءاً من قدرتها على التنسيق السريع والحشد الفعال، ما يخلق معضلة موضوعية في كيفية تطبيق الدفاع الفسيفسائي.

الدفاع الفسيفسائي الذي تعتمده إيران لن يكون أداة لتحقيق النصر بل هو مجرد وسيلة لإدارة الخسارة وتأخيرها، فهو يمنح القدرة على الصمود مرحلياً، ولكنه لا يوفر شروط الحسم لإيران، وإذا نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تعطيل شبكات القيادة والسيطرة، فإن الوحدات الموزعة ستتحول إلى جيوب معزولة ذات تأثير محدود على مجريات الحرب.

وهذا النوع من الدفاع يتطلب هدوء الساحة الداخلية، وبالتالي فإذا تحركت الاحتجاجات المدنية وبدأت الانشقاقات داخل النخبة وارتفعت الضغوط الاقتصادية فإن ذلك يضعف من قدرة إيران على الحفاظ على تماسك هذا النوع من الدفاع، الذي يعتمد أساساً على مرونة النظام وقدرته على إدارة الفوضى.

استخدام إيران لهذا النوع من الدفاع يعني أن الرهان الإيراني يرتكز على تحويل الصراع الحالي إلى حرب استنزاف طويلة، تُجبر الخصم على إعادة حساباته، ولكن هذا الاستنزاف قد يدفع الولايات المتحدة إلى البحث عن وسائل حسم غير تقليدية عبر تصعيد عسكري نوعي أو استخدام أسلحة غير تقليدية لحسم الحرب.

مواضيع قد تهمك