بشار جرار : "بَسْ ولكن".. تساؤل في رسم الحسم!
أنستنا
حرب ملالي طهران -إلى حين- الخوض في الحصاد الدرامي لرمضان 2026. لم
يسعفني الوقت حتى الآن لمتابعة سوى مسلسلين، كلاهما لكوكبة من النجوم
السوريين واللبنانيين. عادتي أن أواصل الاستمتاع والاستفادة من المحتوى
الثقافي للإنتاج الأردني والعربي لاحقا، بعد الاحتفال بعيد الفطر السعيد،
عبر تطبيقات "التلفزيون الذكي".
اختيار
المسلسل الرمضاني الأول للمتابعة ليس بالقرار السهل، فهو عادة حصيلة
مناقشات أسرية على مائدة الإفطار، يتخللها استشارات هاتفية أو عبر التواصل
النصي، عابرة للقارات ما بين واشنطن وعمّان، حول أي الأعمال الفنية جديرة
بتكريس ساعة من هذا الوقت الثمين، المكرس للعبادات والطاعات للصائمين من
مسلمين ومسيحيين، وقد أكرمنا الله بتوافق الصيامين عاما آخر.
لم
تكن هناك حاجة إلى أي نوع من أنواع التسوية، فقد كان ثمة إجماع على
"مولانا"، ذلك الدور الأسطوري الذي أداه عملاق الدراما السورية تيم حسن،
وقد قادته الأقدار ومن قبل قمع النظام السابق، إلى قرية حدودية اختارت لها
مؤلفة الرواية الأستاذ لبنى حداد اسم "العادليّة".
سأراعي
-افتراضا- حرمة العمل لمن لم يحظ بعد بمتعة مشاهدته، ولن أفصح عن أي
تفاصيل قد "تحرق" مفاجآته العديدة. لكني سألتقط ما أراه بمثابة كلمته
المفتاحية، أو تساؤله الدرامي الأكثر عمقا من ذلك الأسلوب المتميز المعروف
ب"السهل الممتنع".
يقول مولاهم،
مولى العادلية: بَسْ ولكن! يقولها مرارا وتكرارا في حلقات المسلسل، لتصبح
"لازمةً" تطبع العمل كله. وتلك من الأدوات التي يحرص عليها صناع المحتوى،
لغايات تسجيل العلامة المميزة وبالتالي الترويج. ميزتها أنها تبقى عابرة
للأجيال وتبلغ "اللازمة" من القوة ما يزاحم وأحيانا يطغى على شعارات تطرح
في العالم الواقعي لا الافتراضي أو الدرامي.
ما
زلنا نذكر لعملاق المسرح والدراما الأردنية النجم الراحل نبيل المشيني
رحمة الله عليه، مقولته في "حارة أبو عواد": "شّي غاد".. بمعنى أغرُب عن
وجهي!
لست أدري إن كانت الروائية
المبدعة لبنى حداد أو المخرج المميز سامر برقاوي قد أرادا بأداء "مولى
العادلية" أن يطرح على مشاهدي "بلاد العرب أوطاني" وحتى غير الناطقين
بالضاد كون العمل مترجما إلى لغات أخرى، أهمية التوقف للنظر وإعادة النظر
فيما يجري من حولنا من أحداث، وما يتناهى إلى مسامعنا من أقوال وروايات
وسرديات..
في علم اللغويات، يعتبر
التكرار عيبا، لكن في تلك الحالة، تجلت عبقرية السيناريو بتكرار ما هو
بالعامية والفصحى في جملة واحدة، وكأنه بذلك يكشف عن ازدواجية شخصية البطل،
الهارب من العدالة من جهة، والبطل والمنقذ، من جهة أخرى. الثنائية أو
الازدواجية حاصلة أيضا في طرفي المعادلة، فمن لعب شخصية جابر وانتحل أو
ارتضى لنفسه انتحال شخصية مولى العادلية عبر سليم، حفيد المولى الأصلي أو
الأول، وقد كان في الحالتين على أطياف متعددة من ذلك الصراط المستقيم،
الخاص بالفارق بين الحق والباطل، بين الجريمة والفضيلة، وبين الثواب
والعقاب، العاجل منه والآجل.
رغم
بعد الفاصل الزمني بين المسلسلين الرمضانيين السوريين "مولانا" و"باب
الحارة"، شتان بين من لعب دور "العقيد" بمعنى الزعيم، وبين "العقيد" كرتبة
كانت على كتف من قام باقتراف مجزرة في العادلية. كان "العقيد الأول" الفنان
سامر المصري يتباهى وهو يمشي مختالا بأنه "شِكلين ما بْيحكي"، كونه
"القبضاي" الآمر الناهي، غير القابل للتفاوض أو المساومة أو التنازل، لكن
مولى العادلية فضّل لعب دور المتّضع أو "الولي الحكيم الحليم" باجتناب لغة
التوجيه المباشر والاكتفاء بمجرد طرح التساؤل الأزلي في هذا المشرق
المكلوم: بس ولكن؟! وفي كثير من المواقف لم تكن الكلمتان تكرارا لاستدراك
أو تساؤل، بقدر ما كنت الجمع بين الكف عن أمر والتمهيد لآخر!
العادلية
كانت قرية سورية حدودية، وكذلك كانت "أم الطنافس" -الفوقا وجارتها التحتا-
في "ضيعة ضايعة" على الساحل رائعة أخرى من روائع الدراما السورية التي
تميزت مع "الخِربة" في محافظة السويداء بالإغراق بالمحلية بما فيها اللهجات
التي تمت ترجمتها إلى العربية الفصحى على أسفل الشاشة، سيما في مخفر
القرية ومضافة المختار!!
سقا الله
أيام أعمالنا الدرامية الأردنية التي ساهمت بنشر الثقافة البدوية الأصيلة
واللهجات الأردنية الجميلة في الجوار، خاصة لدى أشقائنا في الخليج العربي.
"بس
ولكن"، هل أدرك من حظروا وأقصوا وقتلوا وهجّروا، هل أدركوا ولو بعد حين،
أنه وحده سبحانه هو رب الأرباب، هو حسبنا ومولانا ونِعم الوكيل الذي حرّم
الظلم على نفسه، "فأنّى يؤفكون"؟! ــ الدستور