سوران حاتوغ بوران : برامج التعليم والتدريب السياحي في عصر التحديات الإقليمية والعالمية
الجزء الأول
يُعدّ القطاع السياحي من أبرز محركات التوظيف عالميًا، إلى جانب قدرته الهائلة على التعافي من الأزمات وإحداث تحولات اقتصادية واجتماعية مستدامة في حياة الأفراد والمجتمعات. إذ بلغت نسبة الوظائف في السياحة 5.6% من إجمالي الوظائف عالميًا، أي ما يعادل نحو 350 مليون وظيفة، منها 50% تشغلها النساء، وفق تقرير المجلس العالمي للسياحة والسفر لعام 2024 بعد جائحة كوفيد-19. مما دفع حكومات الدول إلى إدراج الموارد البشرية في السياحة ضمن أولويات خطط التنمية المحلية، مع التركيز على الاستثمار في تطوير التعليم والتدريب، وبناء المهارات، وتعزيز الشراكة الحقيقية بين مؤسسات التعليم وسوق العمل. ويُعد التعليم والتدريب السياحي أداة رئيسية في إعداد الموارد البشرية في هذا القطاع، بما يسهم في توفير فرص العمل والأعمال للشباب و المرأة، وفي الوقت ذاته يدعم أجندة النمو الاقتصادي والاجتماعي المستدام في المجتمعات.
في الأردن، يواجه التعليم السياحي تحديات حقيقية في بناء شراكة فاعلة بين مؤسسات التعليم والقطاع السياحي، بما يتوافق مع رؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2023–2033. إذ تستهدف الرؤية توفير 99 ألف وظيفة في القطاع السياحي بحلول عام 2033، أي بمعدل 9900 وظيفة سنويًا من خلال دعم التعليم وتطوير المهارات والتكنولوجيا الرقمية وزيادة الاستثمارات السياحية. وإذا كان الاعتماد على خريجي مؤسسات التعليم والتدريب السياحي، فإننا نكون أمام معضلة
حقيقية في تحقيق الأعداد والمؤهلات المطلوبة. فالجامعات والكليات المهنية ومؤسسة التدريب السياحي في الأردن تُخرّج سنويًا ما بين 1800 و2000 خريج، يعمل منهم في القطاع ما يقارب 60–70% فقط، أي نحو 720–800 خريج، ومعظمهم من الكليات التقنية والمهنية، 90% منهم ذكور و10% إناث. وهذا يعني أن القطاع يحتاج إلى ما يقارب 4000 خريج سنويًا لتلبية احتياجات الوظائف المتوقعة بحلول عام 2033 ، وإجراء إصلاحات حقيقية لسياسات سوق العمل السياحي لتكون أكثر عدالة ومساواة بالتوافق مع المستويات العالمية لتحفيف الفاقد من الموارد البشرية.
ولا يقتصر التحدي على تلبية الجانب الكمي من الموارد البشرية المطلوبة في سوق العمل الأردني، بل يتعداه ليشمل نوعية المؤهلات والمهارات لدى الخريجين ومدى توافقها مع متطلبات سوق العمل. فقد أصبح التركيز على نوعية المهارات التي يمتلكها الموارد البشرية كميزة تنافسية تحدد فرص التوظيف في سوق العمل السياحي .. إذ تشير التقارير الصادرة عن منظمة السياحة العالمية للفترة 2025–2030، وكذلك تقرير المجلس العالمي للسياحة والسفر لعام 2024 بعنوان «مستقبل العمل في السياحة والسفر»، أن التحديات العالمية متمثلة بثورة الذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، والاضطرابات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية العالمية ستُحدث تحولات جذرية في سوق العمل السياحي ، تتمثل في طبيعة المهن ، إضافة إلى طبيعة المهارات المطلوبة مستقبلًا. وقد أظهرت النتائج بروز ثلاث فئات أساسية من المهارات «الإنسانية، والرقمية، والخضراء» Human, Digital, Green تشكّل مطلبًا رئيسيًا على قائمة المهارات المطلوبة لدى أصحاب الشركات المحلية و العالمية.
وأكد التقرير ان توفر المهارات الإنسانية مثل؛ التعاطف مع الآخرين، وفهم العملاء، والذكاء العاطفي، والاتصال والتواصل الفعّال، والتفكير الابتكاري إلى جانب المهارات التقنية، تعتبر أولوية في التوظيف لدى أصحاب الشركات السياحية وقطاع الضيافة. ويرى المحللون أن المهارات الإنسانية ضرورية لدمج القيم الإنسانية في الخدمات السياحية المقدمة للزوار، وللتصدي لتأثيرات ثورة الذكاء الاصطناعي في استبدال بعض أنماط العمالة.
كما أصبحت الموارد البشرية التي تتمتع بالمهارات الرقمية والخضراء مثل؛ مهارة تحليل البيانات، والتنبؤ بالمخاطر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي و تطبيقات الاقتصاد الأخضر مطلباَ رئيساَ لدى أصحاب الشركات لمواجهة الأزمات الاقتصادية، والاجتماعية، والكوارث البيئية و الصحية وزيادة المنعة وضمان نمو الأعمال بصورة مستدامة.
إن تحقيق الجودة في برامج التعليم والتدريب السياحي لتلبية الاحتياجات المستقبلية ومواجهة التحديات العالمية يتطلب إعادة النظر في منهجية التخطيط وحوكمة برامج التعليم والتدريب السياحي، بما يتوافق مع غايات السياحة وفلسفتها. فالسياحة تتمتع بخصائص فريدة لارتباطها الحيوي بحياة الإنسان واستدامتها على كوكب الأرض. مما يجعل أهمية السياحة أكثر من مجرد قيمة اقتصادية؛ إذ تُعد منظومة تنموية شاملة تسهم في تحسين حياة الأفراد وتحقيق التنمية المستدامة في المجتمعات، فضلًا عن دورها في نشر السلام والتسامح وتعزيز التفاهم العالمي بين الثقافات المتنوعة في المجتمعات.
وانطلاقا من الغايات العليا للسياحة، فقد أكدت منظمة السياحة العالمية أن التزام الأفراد بالقيم والأخلاق العالمية المشتركة والمسؤولية المجتمعية في إدارة النشاط السياحي يعد متطلب رئيس لتعظيم منافع السياحة على المجتمعات . وعليه، فقد اعدت وثيقة "المدونة العالمية لأخلاق السياحة" - ورقة سياسات عمل في عام 1999 تتكون من عشر مبادئ تتضمن توجيهات لأصحاب المصلحة (حكومة ، قطاع خاص، تعليم وتدريب، عاملين ومجتمع محلي وزوار) سبل تحقيق النمو الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي والبيئي المستدام في القطاع، وأن الالتزام بالمدونة يسهم في تعزيز تنافسية القطاع السياحي في الوجهات السياحية.
وقد أقرتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العام 2001 كأداة تستخدمها الدول لتحقيق تنمية السياحة المستدامة في الوجهات السياحية، واشترطت أن يتم إدارة السياحة على اسس احترام الحريات الأساسية للأفراد بعدالة و مساواة دون تمييز من حيث العرق، والجنس، واللغة، أو الدين استنادا إلى "الحق العالمي في حرية السياحة و السفر للجميع".
وتري المنظمة أن تمكين الموارد البشرية بالأخلاق السياحية و المسؤولية المجتمعية من خلال دمج مبادئ وتطبيقات المدونة العالمية لأخلاق السياحة في برامج التعليم والتدريب السياحي هي اقوى وسيلة لتعزيز نمو السياحة المستدامة .و وعليه، فقد طورت منظمة السياحة العالمية شهادة جودة التعليم السياحي ( التيدكوال ) UN-Tourism TedQual بهدف تطوير جودة برامج التعليم السياحي في إطار التوجهات العالمية بالتقيد بالمدونة العالمية لأخلاق السياحة ، وبمبادئ العمل الدولية في السياحة، و الأهداف الأممية للتنمية المستدامة للعام 2030 في المناهج والبيئة التعليمة التعلمية.
تكمن أهمية شهادة التدكوال في إعداد موارد بشرية مسؤولة تؤمن بدور السياحة في تحسين حياة الأفراد ودورها في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمعات ونشر السلام و المحبة بين الثقافات المختلفة. كما تعد مهنيون يتمتعون بخبرة عملية في التخطيط وإدارة الأنشطة السياحية في إطار احترام حقوق الزوار، والتطوير المستمر للخدمات سعيا نحو زيادة التنافسية وإحداث أثر على الاقتصاد المحلي .
كما تتميز شهادة التيدكوال في إعداد قادة لديهم قدرة على إحداث الأثر في مجتمعاتهم، معززون بمهارات التفكير التحليلي وفق المتغيرات الإقليمية والعالمية ، والقدرة على الابتكار لحل المشكلات باستمرار مع الأخذ بالاعتبار الاحتواء الاجتماعي للشباب والمرأة ، والحفاظ على التراث المحلي والموارد الطبيعية ودفع عملية التنمية السياحية المستدامة في مجتمعهم.
وعليه فإن تطوير برامج التعليم السياحي في الأردن لمواكبة التحديات المستقبلية يتطلب من المؤسسات التعليمية والتدريبية السياحية التقيد بمحاور الجودة لبرنامج شهادة التيدكوال لمنظمة السياحة العالمية، وهي سته محاور تتضمن معايير ومستويات أداء كالآتي:
1. العلاقة مع أصحاب المصلحة والمجتمع ، 2. تطوير المناهج والوسائل التعليمية، 3. الطالب، 4. أعضاء الهيئة التدريسية 5. الإدارة وضبط الجودة ، 6. والمدونة العالمية لأخلاق السياحة. واعتبرت أن التقيد بمحور المدونة العالمية للأخلاق وإدراجها في صياغة رؤية و رسالة وقيم البرنامج التعليمي والسياسات العامة للعمليات هي أولوية .
في الجزر الثاني من المقالة سوف نناقش السياسات و الاستراتيجية التعليمية والتدريبية المبتكرةالتي يتوجب على المؤسسات التعليم والتدريب السياحي تبنيها لتطبيق معايير شهادة الجودة العالمية لبرامج التعليم السياحي . ( التيدكوال ) UN-Tourism TedQual.
ومن وجهة نظر الكاتبة، تكمن المعضلة في أن سياسات التعليم والتدريب السياحي قد طُوِّرت خلال الحقبة الماضية أسوة بباقي المجالات المعرفية ذات الطبيعة التقنية، دون فهم حقيقي لطبيعة السياحة وفلسفتها. وقد أدى ذلك إلى خلق فجوة بين مخرجات التعليم والتدريب ومتطلبات سوق العمل، نتج عنها ارتفاع معدلات البطالة بين صفوف خريجي الجامعات على وجه الخصوص، كما أسهم في إضعاف جاذبية برامج التعليم السياحي بشكل عام.
* مدقق معتمد لشهادة تيدكوال – شهادة الجودة لبرامج التعليم السياحي، منظمة السياحة العالمية
* عضو سابق في اللجنة العالمية لأخلاقيات السياحة – منظمة السياحة العالمية
* رئيس هيئة مديري شركة تمكين للتنمية السياحية المستدامة