الأخبار

محمود الدباس ــ ابو ليث : "إيشمعنا بتلوموا إبنا"؟! ..

محمود الدباس ــ ابو ليث : إيشمعنا بتلوموا إبنا؟! ..
أخبارنا :  

أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى خصمٍ يقف أمامه.. بل يحتاج فقط إلى مرآة صادقة.. يقف أمامها لحظةً واحدة.. فبعض الحقائق لا تختبئ لأنها غامضة.. بل لأنها قريبة منا أكثر مما نحب أن نعترف..

فنحن بارعون في الحديث عن القيم الكبرى.. عن العدالة.. عن النزاهة.. عن الوطن الذي نحلم به.. لكن بين الكلمات الجميلة.. والحقيقة التي تسكن داخلنا.. مسافةٌ صغيرة.. لا نحب أن نقترب منها كثيراً.. وفي تلك المسافة تحديداً.. تختبئ أسئلة لا نطرحها عادة.. لأنها إن خرجت إلى الضوء.. ستكشفنا نحن..

ففي كل مجلس.. وفي كل منشور.. وفي كل نقاشٍ عن حال البلاد.. نرفع الصوت عالياً بمحاربة الفساد.. نلعن الواسطة.. ونشكو المحسوبية.. ونحلف أن هذا الوطن لا يمكن أن ينهض.. ما دام الحق يُمنح بالقرابة.. لا بالكفاءة.. فتبدو الكلمات صادقة.. حادة.. ومليئة بالغضب.. حتى نظن أننا جميعاً حراس العدالة..

لكن المشهد يتغير فجأة.. عندما يقترب الفاسد من دائرة معارفنا.. عندما يصبح اسماً من العائلة.. أو أحداً من العشيرة.. أو صديقاً من الذين نجلس معهم كل مساء.. أو نسيباً لنا.. هنا لا يبقى الفساد هو القضية.. بل يصبح الدفاع عنه واجباً اجتماعياً.. وكأن الحقيقة يمكن أن تُعدَّل فقط.. لأن صاحبها يخصنا..

عندها تختفي كلمة الفساد من القاموس.. ويظهر سؤالٌ آخر يتكرر ببراءة مصطنعة.. إيشمعنا بتلوموا إبنا؟!..

وكأن المشكلة ليست في الخطأ نفسه.. بل في الجرأة على كشفه.. فيتحول النقاش من الفعل إلى الفاعل.. ومن العدالة إلى الاستهداف.. ومن محاسبة المخطئ إلى حماية الجماعة..

ثم تبدأ المسرحية القميئة المخجلة التي نعرفها جيداً.. هذا يفعل أكثر منه.. وذاك سرق قبله.. وفلان عيّن من أقاربه أكثر منه.. فلماذا بدأتم به؟!..

ولو أن المسؤول نفسه.. لم يكن من جماعتنا.. لأقمنا الدنيا ولم نقعدها.. لكتبنا الخطب.. ورفعنا الشعارات.. وطالبنا بمحاكمته فوراً.. وقد نطالب بإعدامه على باب المسجد الحسيني.. وسنعلي الصوت بأن الدولة راعية للفساد.. ولأصبح فجأة رمزاً لكل فسادٍ في البلاد..

لكن.. لأن اسمه يمر من باب العائلة.. تغيرت العدالة.. وتبدلت المسطرة التي نقيس بها الناس..

وهنا تنكشف الحقيقة التي نهرب منها دائماً.. أننا لا نحارب الفساد كما نزعم.. بل نحارب فقط الفساد الذي لم نحصل منه على شيء.. أما إذا كان الفساد يمر عبرنا.. أو عبر قريبٍ منا.. فإننا نصبح فجأة أكثر الناس تفهماً.. وأكثرهم قدرة على إيجاد الأعذار والتبرير.. والبكاء بحجة الاستهداف..

وهكذا أبشركم.. سيبقى الفساد واقفاً بيننا مطمئناً شامخاً.. لا تحميه القوانين الضعيفة فقط.. ولا الرقابة الصورية.. بل تحميه أيضاً تلك الجملة الصغيرة.. التي نقولها ونحن نظن أننا ندافع عن كرامتنا..

إيشمعنا بتلوموا إبنا؟!..

مواضيع قد تهمك