سمير حمدان ــ بوداست : وداعًا جمال ريان الصوت الذي لم ينحن
حين يغيب الصوت وتبقى المواقف
اليوم صمت صوت عرفه الملايين
في بعض الأيام لا يأتي الخبر خبراً عادياً بل يأتي كوجع ثقيل يسكن القلب قبل أن يصل إلى الأذن، اليوم رحل الصحفي الكبير جمال ريان، رحل صوت عاش طويلاً في بيوت الناس حتى صار جزءاً من يومهم ومن ذاكرة شاشاتهم ومن إيقاع الأخبار في حياتهم، وحين يرحل صوت كهذا يشعر كثيرون أن شيئاً من زمنهم الشخصي قد انطفأ فجأة، لأن بعض الأصوات لا تصبح مجرد مهنة بل تتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة مرحلة كاملة.
صحفي لم يتعلم الصمت
لم يكن جمال ريان مجرد مذيع أخبار في فضاء إعلامي مزدحم، كان صاحب صوت يحمل موقفاً، وصاحب سؤال لا يتردد في الذهاب إلى النهاية، كان يعرف أن الصحافة ليست قراءة النصوص بل مساءلة السلطة، وأن الكلمة حين تفقد شجاعتها تفقد معناها، لذلك كان يطرح السؤال الذي يخشاه كثيرون، ويذهب بالحوار إلى المناطق التي لا يحبها السياسيون، لا بحثاً عن الجدل بل بحثاً عن الحقيقة.
قال أحد زملائه يوماً إن جمال ريان كان من الصحفيين الذين لا يبحثون عن الإثارة بل عن المعنى، وإنه كان يؤمن أن السؤال الصعب ليس استفزازاً بل واجباً مهنياً.
فلسطين التي سكنت صوته
كانت فلسطين تسكن صوته كما يسكن الحنين قلب صاحبه، لم تكن بالنسبة له خبراً عابراً في نشرات المساء بل جرحاً شخصياً أيضاً، كان يتحدث بحزن عن بيته في فلسطين الذي فقدته عائلته في سنوات الاحتلال والذي سكنه لاحقاً شمعون بيريس، ولم يكن يروي هذه القصة كذكرى عائلية عابرة بل كمرآة لوجع شعب كامل اقتُلعت بيوته ومدنه وذكرياته.
كلمة لا تنحني
حين ظهرت ما سمي بـ صفقة القرن كان من الأصوات التي قالت بوضوح إن السلام لا يولد من تجاهل الحق ولا من فرض الأمر الواقع، وكان يرى أن العدالة إذا غابت عن السلام يصبح السلام مجرد اسم جميل لواقع غير عادل.
الإنسان خلف الشاشة
رغم حضوره القوي أمام الكاميرا كان في حياته اليومية إنساناً بسيطاً قريباً من الناس، يقول زملاؤه إن الرجل الذي كان يواجه السياسيين بأسئلة صعبة كان خارج الاستوديو هادئاً واسع القلب، وكان يؤمن أن الصحافة رسالة وأن الكلمة أمانة وأن الصمت أمام الظلم ليس حياداً بل خذلان.
حين يرحل الصوت ويبقى الأثر
حين يرحل أصحاب المواقف يشعر الناس أن شيئاً من الصدق قد غاب عن العالم، لكن بعض الأصوات لا تختفي برحيل أصحابها، تبقى في الذاكرة وفي الأرشيف وفي عقول الذين سمعوها.
قال الشاعر.
وما الموت إلا سارق دق شخصه
يصول بلا كف ويسعى بلا رجل.
لكن الموت مهما أخذ من الوجوه لا يستطيع أن يأخذ الأثر الذي تتركه الكلمة الصادقة.
برحيل جمال ريان يخسر الإعلام العربي صوتاً كان جزءاً من ذاكرة مرحلة كاملة، صوتاً كان حاضراً في اللحظات الصعبة وفي النقاشات الحادة وفي الأسئلة التي لا يحبها السياسيون.
كلمات جمال ريان الأخيرة التي كتبها قبل وفاته :
فالتاريخ علّمنا أن النهاية قد تأتي من حيث لا نحتسب
اطمئن…
فالعدل قد يتأخر،
لكنّه لا يضيع.
والحكمة قد تخفى،
لكنها لا تغيب.
تبقى كلماته في ذاكرة الناس، ويبقى حضوره في قلوب الذين عرفوه، ويبقى الصدى في زمن يحتاج دائماً إلى أصوات لا تخاف الحقيقة.
رحم الله الصحفي الكبير صاحب القلب الكبير جمال ريان، رحم الصوت الذي بقي واقفاً حتى النهاية ولم ينحن .