الأخبار

فراس النعسان : الحرب التي لم تبدأ بعد

فراس النعسان : الحرب التي لم تبدأ بعد
أخبارنا :  

بينما كنت أقرأ مقالًا يقارن بين سياسات الولايات المتحدة اليوم وقرار غزو العراق عام 2003، توقفت عند الفكرة أكثر مما توقفت عند المقارنة نفسها. ليس لأن استحضار الماضي أمر جديد في النقاشات السياسية، بل لأن شيئًا ما بدا غير مكتمل في تلك المقارنة. شعرت أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التاريخ يعيد نفسه، بل ما إذا كنا ما زلنا ننظر إلى الحروب بالعيون القديمة ذاتها.
حين غزا جورج بوش الابن العراق، كانت الحرب واضحة وصاخبة ومفهومة حتى لمن يتابع الأخبار من بعيد: جيوش تتحرك، دبابات تدخل المدن، ونظام يسقط أمام العالم. كانت الحرب آنذاك حدثًا يبدأ في يوم محدد وينتهي، ولو نظريًا، بإعلان نصر. لكن العالم تغيّر منذ ذلك الحين، وتغيّرت معه طريقة خوض الحروب نفسها.
اليوم لم تعد القوة العسكرية تعني احتلال الأرض بقدر ما تعني السيطرة على مسار الصراع. الولايات المتحدة، التي دفعت ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا هائلًا في العراق وأفغانستان، لم تتراجع عن استخدام القوة، لكنها أعادت صياغتها. ظهر ذلك في سوريا، حيث أثّرت في موازين الحرب دون وجود عسكري واسع، وفي اليمن عبر أدوار غير مباشرة، وفي أوكرانيا من خلال إدارة مواجهة طويلة دون إرسال قوات أميركية للقتال المباشر.
الحروب الحديثة لا تبدأ ببيان رسمي، بل بسلسلة خطوات صغيرة: ضربة محدودة، رد محسوب، عقوبات اقتصادية، ثم تصعيد تدريجي يجعل العودة إلى نقطة البداية شبه مستحيلة. وهنا تكمن المفارقة؛ فالحرب التي لا تبدو حربًا في بدايتها قد تصبح الأكثر طولًا وتأثيرًا.
إيران اليوم ليست العراق قبل عقدين. حجمها الجغرافي، وكثافتها السكانية، وشبكات نفوذها الإقليمية تجعل فكرة الغزو البري أقرب إلى السيناريو النظري منها إلى الخيار الواقعي. لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تكرار حرب بوش، بل في نموذج مختلف تمامًا: صراع ممتد منخفض الحدة، مرتفع التكلفة، ينتشر عبر المنطقة دون جبهة واضحة أو نهاية متوقعة.
ما لفت انتباهي أثناء القراءة أن المقارنات التاريخية تمنحنا أحيانًا شعورًا زائفًا بالفهم. حين نقول إن "شبح بوش" يعود، فإننا نفترض أن الحروب ما زالت تُدار بالمنطق نفسه. لكن الحقيقة أن شبح عصرنا مختلف؛ إنه وهم القدرة على التحكم في التصعيد، والاعتقاد بأن الضربات المحدودة ستبقى محدودة دائمًا.
في عالم اليوم، لا تبدأ الحروب بقرار واحد كبير، بل بمجموعة قرارات صغيرة تبدو عقلانية في لحظتها، لكنها تقود تدريجيًا إلى واقع لا يستطيع أحد التراجع عنه بسهولة. وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو الحروب الحديثة أقل صخبًا في بدايتها وأكثر خطورة في نهايتها.

مواضيع قد تهمك