د. ماجد الخواجا يكتب : رداءة مرحلة فنية
انهالت
علينا منذ سنة 2013 كمية من الأعمال الدرامية الهابطة أخلاقياً ومعالجةً،
فلا مضمون أو محتوى، مع اكتظاظ في الإسفاف والإنحطاط القيمي، والتشبّع
بالألفاظ الشوارعية السوقية، مع فحش في البذاءة الأخلاقية وتناول المحرمات
الدينية والجنسية والعلاقات غير الطبيعية، مع كميات من مشاهد العنف الدموية
الفاحشة التي أعادت تشكيل الوجدان والوعي الفردي والجمعي في سبيل إعتياد
القتل ومشاهدة أنواع من الجرائم الفظيعة باعتبارها ممارسات وسلوكات
اجتماعية معاشة ولا غرابة فيها.
هناك
أحد الأشخاص ممن يحملون لقب فنان أو ممثّل، دأب في كل أعماله على تسفيه
الحياة، بحيث لا تستطيع الخروج عند مشاهدة العمل له بأي فائدة تذكر أو
انطباع يعلق في الذاكرة. فهو أصبح مدرسة خاصة في "تفاهة الدراما"، حيث لا
يمكن أن يحمل عمله أدنى محتوى أو غاية اجتماعية أو سياسية أو فنية، فهو
يحشو الوقت المخصص للعمل من لغو الكلام الذي يتسّم بالترادف المسّف
واللامعنى واللاقيمة.
إنها عبارة
عن سلسلة ممتدة من الخواء والعبث بعقول ومشاعر المتلقين، حيث يتم ضخ وزرع
حوشية الكلمات وفحشها وانعدام الحياء لا خدشها فقط. حتى وصلنا إلى بث مسلسل
في رمضان على مدار سنتين عبارة عن إظهار أسوأ ما في البشر من ممارسات
متناقضة، بحيث تم ربطها بالشهر الفضيل، مسلسل يعلي من النفاق والكذب وعدم
احترام عقل المشاهدين. مسلسل حمل أقذر ما يمكن للإنسان من ممارسات وسلوكات
منحرفة غير سويّة. لقد قدّم المسلسل أسوأ ما في البشر من سلوكات مشينة
معيبة، حيث هناك من يفكر طيلة الوقت بالجنس، أو بالسرقة، وهناك من يسرحون
بأفكارهم ولا يوقرون الصلاة، هناك من ينتهز أية فرصة للإفطار وزعم أنه
صائم، هناك من تحترف الغواية تحت عباءتها فيما الظاهر منها يحمل شكلاً
إيمانياً، هناك سذاجة واضحة في كيفية عمل المسحراتي، الذي يحمل طبلةً صغيرة
ويتجول داخل حارته التي لا تنام أصلاً. ربما يقول قائل أن هذه هي الطبيعة
الإنسانية وأن المسلسل أراد تجسيدها دون تورية ودون إخفاء لها، فهي تعبّر
عن مكنون وتناقضات البشر. لكن ذلك لا يعني التمادي في الإسفاف والإبتذال
للدرجة التي ظهرت بها أحداث المسلسل. إن الفن في إحدى غاياته الأساسية، أنه
يعمل على التوجيه والتوعية ومراعاة الأبعاد القيمية للمجتمع، فلا إفراط في
تناول النفس البشرية ولواعجها، ولا مبالغة في إضفاء ملائكية مزعومة أو
متخيّلة لدى البشر. لكن أن يتم تناول بذاءات غير أخلاقية ومحاولة زرع
المزاعم بأنها تعبّر عن حقيقة الإنسان، فهذه لا غاية لها غير توسّل
المشاهدات بأية طريقة. أعمال تتواى وتنهال على وجدان المتلقين التي تكتظ
بتشويه العلاقات العائلية والاجتماعية، وتولي التركيز على التفكك الأسري
وصولاً لحالات شاذة ومتطرفة في الإنحرافات المسلكية، فيما أعمال تعلي من
وتيرة العنف والمشاهد الإجرامية بدعوى أنها تعالج قضايا الإرهاب والتطرّف
في المجتمع. وأعمال تقوم ببناء سرديات وبطولات لفئات وشخصيات من المجتمع
تضعهم في مراتب أسطورية.
هناك
ظاهرة واصلت مسيرتها عبر استخدام ما يطلق عليه باللهجة المصرية " الأفيهات"
التي أصبحت تستحوذ على معظم محتوى ووقت الأعمال الفنية، مع عدم تمكين
المشاهدين من الاستفادة الفعلية من أية مشاهدة لأي عمل فني، فلا يوجد محتوى
جاد أو يعالج حالة اجتماعية تهمّ المجتمع، ولا توجد حبكة درامية تشد
المشاهد في مواصلة المشاهدة وفي ترقّب القادم من حلقات نتيجة غياب الجدّية
والرصانة والإمتداد الفعلي للأحداث. كانت الأفيهات تستخدم كأداة مساعدة
وباعتبارها نوعاً من المقبلات الدرامية التي تضفي على العمل لمسة خاصة،
لكنها أبداً لم تغتصب الدور الرئيس في الأعمال الفنية. إلى أن جاء من يجعل
منها الطبق الرئيس للعمل الدرامي، فأصبح طيلة وقت العمل مجرّد أفيهات تتكرر
بشكل غير مبرر ودون العناية بمدى ملاءمتها أو استحسانها. ليس فناً ذاك
الذي لا يتبنى اهتمامات وأولويات الأفراد والمجتمع، إنه ترف لا يليق
بمجتمعات البؤس والفاقة والحرمان. ـ الدستور