الأخبار

د. احمد ناصر الطهاروه : القانون الدولي وتحريم الحروب

د. احمد ناصر الطهاروه : القانون الدولي وتحريم الحروب
أخبارنا :  

تحريم الحرب في القانون الدولي قاعدة قانونية راسخة تشكل أحد أعمدة النظام الدولي المعاصر. فقد جاءت التجربة المريرة للحربين العالميتين لتدفع المجتمع الدولي إلى صياغة منظومة قانونية تهدف إلى منع تكرار تلك الكوارث التي أودت بحياة عشرات الملايين ودمّرت دولاً بأكملها.

ومن هنا جاء ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 ليؤسس قاعدة قانونية واضحة في العلاقات الدولية، حيث نصت المادة (2/4) منه على امتناع الدول عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وقد اعتبر الفقه الدولي هذا النص أحد أهم المبادئ الآمرة في القانون الدولي، لأنه نقل العلاقات بين الدول من منطق القوة العسكرية إلى منطق الشرعية القانونية.

ولم يسمح الميثاق باستخدام القوة إلا في حالات استثنائية محدودة، أبرزها حق الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51) عندما تتعرض الدولة لاعتداء مسلح، وبما يتناسب مع طبيعة ذلك الاعتداء. كما منح مجلس الأمن صلاحية اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.

غير أن فلسفة القانون الدولي في تحريم الحرب لا تهدف فقط إلى حماية الدول المعتدى عليها، بل تمتد أيضاً لحماية الدول التي قد تبادر باستخدام القوة. فالتاريخ أثبت أن الحروب نادراً ما تبقى ضمن حدودها الأولى، وأن الشرارة التي تبدأ في مكان ما قد تتحول إلى حريق إقليمي أو حتى عالمي. ولهذا فإن القواعد التي تحظر اللجوء إلى القوة تمثل في حقيقتها حماية للنظام الدولي بأسره.

وقد جاءت اتفاقيات جنيف لعام 1949 لتكمل هذه المنظومة القانونية، حيث وضعت قواعد إنسانية صارمة لحماية المدنيين والجرحى وأسرى الحرب أثناء النزاعات المسلحة. وهذه الاتفاقيات تؤكد أن الإنسان يجب أن يبقى محمياً حتى في ظل أكثر الظروف قسوة، لأن القانون الدولي في جوهره وُضع لتخفيف معاناة البشر وليس لتبرير الحروب.

وفي ظل التصعيد العسكري الذي يشهده العالم اليوم، تبرز أهمية العودة إلى هذه المبادئ القانونية التي وضعت أساساً لحماية الإنسانية من ويلات النزاعات المسلحة. صحيح أن البعض يشكك في فعالية القانون الدولي عندما تندلع الحروب، لكن الحقيقة أن وجود هذه القواعد يظل ضرورة حتمية لتنظيم العلاقات بين الدول ومنع انزلاق العالم إلى فوضى القوة.

إن احترام القانون الدولي ليس مصلحة للدول الضعيفة وحدها، بل هو مصلحة مشتركة لجميع الدول، لأن أي خرق لهذه القواعد يفتح الباب أمام صراعات قد يدفع ثمنها الجميع، سواء الدولة المعتدية أو الدولة المعتدى عليها. ولهذا يبقى الأمل أن تتوقف الحروب سريعاً وأن تعود الدول إلى طاولة المفاوضات، لأن القانون الدولي في النهاية لم يوضع لخدمة طرف دون آخر، بل لحماية البشرية جمعاء.

مواضيع قد تهمك