المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الردع التشريعي: قراءة قانونية في ما بعد حادثي حمود وعمّان
كانت الرصاصات الغادرة التي اخترقت سكينة المشيّعين في حمود الكرك الأبية، و الطعنات الجبانة التي استهدفت العريف الشهيد ورفيقه في قلب العاصمة عمّان، استهدافا مباشرا لثوابت الدولة الأردنية. هذه الحوادث هدفت يائسة للنيل من ركيزتين قام عليهما بنيان هذا الوطن، وئامه التاريخي العابر للطوائف، وهيبة مؤسسته الأمنية الساهرة على أمان المواطن. إن الدم الأردني الطهور الذي سُفك في كنيسة حمود و في ميدان الواجب بعمّان، يضعنا جميعاً مشرّعين وقانونيين وأصحاب رأي أمام استحقاق تشريعي عاجل.
وإذا كانت أجهزتنا الأمنية الباسلة قد أثبتت كعادتها يقظةً استثنائية واحترافية عالية في إلقاء القبض على الجناة وملاحقة خلاياهم في وقت قياسي، فإن الواجب الوطني يقتضي منا كقانونيين أن نسلط الضوء على الحلقة التشريعية والعقابية المكملة للجهد الأمني. إن المفارقة التي كشفت عنها معطيات حادثة عمّان الإرهابية تتمثل في أن بعض منفذي الاعتداءات سبق أن تم ادانتهم قضائيا بالانتماء الى تنظيمات ارهابية والتخطيط لاعمال مشابهه، و قد صدرت بحقهم احكام.
إن القاعدة الفقهية والدستورية المستقرة تؤكد أن أمن المجتمع وسلامة أرواح أبنائه مقدمان على ما سواهما، وأن وظيفة النص الجزائي في جرائم الإرهاب ليست مجرد المعاقبة اللاحقة، بل تحقيق الردع العام والخاص، ومنع العَود الجرمي، وحماية الحق المقدس في الحياة. وحين يتحول الإرهاب إلى خلايا نائمة، او ذئاب منفردة، وتجنيد رقمي، يستغل أية ثغرة إجرائية أو عقابية، يصبح تعديل قانون منع الإرهاب لسنة 2006 وتعديلاته، والأحكام ذات الصلة في قانون العقوبات وقانون مراكز الإصلاح والتأهيل، ضرورة وطنية قصوى.
ومن هذا المنطلق، واستجابةً للنبض الشعبي و اليقظة الحكومية، فلا بد من حسم تشريعي يوازي تضحيات نشامى الوطن. و هنا تبرز حزمة توصيات قانونية محددة تستوجب منحها صفة الاستعجال. و هي كما يلي:
اولا: عدم الأخذ بالأسباب المخففة التقديرية . تعديل قانون منع الإرهاب للنص صراحةً على عدم جواز إعمال الأسباب المخففة التقديرية المنصوص عليها في المادة (99) من قانون العقوبات في كافة الجرائم الإرهابية دون استثناء، سواء تعلقت بالتنفيذ أو التخطيط أو التجنيد أو الترويج، لضمان بقاء العقوبة في حدها الرادع الذي قصده المشرّع.
ثانيا: إلغاء تخفيض العقوبة والرقابة اللاحقة. استثناء المحكومين بقضايا الإرهاب والتطرف من قاعدة الإفراج بعد قضاء ثلاثة أرباع مدة المحكومية، واعتماد السنة الشمسية الكاملة في تنفيذ العقوبة، مع اشتراط عدم الإفراج عن المحكوم بعد انقضاء مدته إلا بقرار قضائي يستند إلى تقييم أمني وفكري و نفسي يثبت زوال الخطورة الإجرامية، وإخضاعه وجوبياً لتدابير الرقابة الإلكترونية والأمنية اللاحقة لعدة سنوات.
ثالثا: تجريم الأعمال التحضيرية و استخدام الفضاء الرقمي بالأشغال المؤبدة. رفع سقف العقوبة في جرائم الانتماء للتنظيمات الإرهابية، أو التجنيد والتحريض عبر المنصات الرقمية، أو التخطيط لاستهداف المرافق والأفراد حتى وإن لم يخرج المخطط لحيز التنفيذ الفعلي، لتصل إلى عقوبة الأشغال المؤبدة بدلاً من الأشغال المؤقتة.
رابعا: تشديد العقاب على الحواضن والمتسترين. تغليظ العقوبة على كل من يثبت تقديمه للسلاح أو المأوى أو التمويل أو التسهيلات اللوجستية للإرهابيين، ورفع عقوبة الامتناع عن إبلاغ السلطات بمخطط إرهابي الواردة في المادة (5) من قانون منع الإرهاب من الحبس إلى عقوبة الأشغال المؤقتة بحدها الأعلى .
خامسا: الحماية القصوى لرجال الأمن ودور العبادة. النص وجوبيا على عقوبة الإعدام لكل اعتداء إرهابي أو شروع يستهدف منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أثناء تأدية واجبهم أو بسببه، أو يستهدف دور العبادة والسلم الأهلي، مع تقليص إجراءات المحاكمة لسرعة البت في هذه القضايا.
إن دولة القانون والمؤسسات التي أرسى دعائمها الهاشميون لا تفرط بحقوق مواطنيها ولا تتهاون مع من يعبث بأمنها واستقرارها. إن تغليظ العقوبات في جرائم الإرهاب ليس تضييقاً على الحريات المصونة دستورياً، بل هو السياج القانوني الذي يحمي تلك الحريات و يحقق الردع ، ويحفظ هيبة الدولة، ويوجه رسالة حاسمة لكل واهم بأن تراب الأردن عصيّ على الفتنة، وأن دماء شهدائنا في الكرك وعمّان أمانة في أعناق المشرّعين والقضاة، لا يوفيها حقها إلا عدالة ناجزة وردع لا يلين.
ــ الدستور