د. مثقال القرالة : دماء الأردنيين ليست رخيصة.. ولا تــهــــــاون مـــع الإرهــــــاب
لم يعد مقبولاً أن نستيقظ على جريمة إرهابية تهز وجدان الأردنيين، ونودّع شهداءنا بالدموع، ونشيّع أبناءنا بالحزن، ثم نكتفي ببيانات الإدانة والاستنكار، وكأن دماء الأبرياء مجرد أحداث عابرة تطويها الأيام. إن أمن الأردن ليس مجالاً للتهاون، ودماء الأردنيين ليست رخيصة، وهيبة الدولة ليست موضع اختبار، وحياة المواطن الأردني يجب أن تكون خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه أو العبث به تحت أي ظرف. فالإرهاب ليس مجرد جريمة تستهدف فرداً أو مجموعة، بل هو عدوان على الدولة بأكملها، وعلى أمن المجتمع واستقراره، وعلى حق الأردنيين في الحياة بكرامة وأمانة.
وما شهدناه مؤخراً من الجريمة التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، وما خلّفته من ضحايا وأوجاع، وما أعقبها من اعتداء استهدف رجال الأمن العام في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان، وأدى إلى استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة أثناء تأدية واجبه، ليست أحداثاً يمكن المرور عليها مرور الكرام. إنها جرائم موجعة تفرض علينا الوقوف أمام مسؤولياتنا الوطنية والتشريعية بكل جدية، وتستوجب طرح أسئلة حقيقية حول كفاية منظومة الردع والعقوبات، ومدى قدرتها على مواجهة من يخططون لإزهاق الأرواح وترويع الآمنين.
ففي الكرك، امتدت يد الإجرام إلى دور العبادة، وفي عمّان امتدت إلى رجل أمن يقف في موقع واجبه لحماية الناس. وبين الجريمتين رسالة واحدة لا يجوز تجاهلها: أن الإرهاب حين يستهدف الأردنيين لا يفرّق بين مدني وعسكري، ولا بين مسلم ومسيحي، ولا بين مدينة وقرية؛ لأنه في حقيقته يستهدف الأردن كله. وما يزيد هذه الجرائم بشاعة أنها لا تسلب الأرواح وحدها، بل تحاول اغتيال الطمأنينة في نفوس المواطنين، وزعزعة الثقة بالأمن والاستقرار، والنيل من نسيجنا الوطني الذي ظل عصياً على محاولات الفرقة والتطرف.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوضع اليوم أمام الحكومة ومجلس الأمة بكل وضوح هو: هل نحن بحاجة إلى مراجعة قانون منع الإرهاب وتغليظ العقوبات على الجرائم الإرهابية الجسيمة؟ وهل العقوبات الحالية كافية لتحقيق الردع وحماية أرواح المواطنين ورجال الأمن؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تخضع للعواطف وحدها، وإنما تستدعي مراجعة تشريعية وقضائية جادة، تدرس الثغرات المحتملة، ومدى تناسب العقوبات مع خطورة الجرائم، وفاعلية الإجراءات التي تحول دون تكرارها.
إننا نطالب بفتح ملف التشريعات المتعلقة بالإرهاب، ومراجعة النصوص القانونية ذات الصلة، والنظر في تشديد العقوبات على كل من يثبت قضائياً تورطه في تنفيذ الأعمال الإرهابية أو التخطيط لها أو تمويلها أو التحريض عليها، وبخاصة الجرائم التي تفضي إلى إزهاق الأرواح أو تستهدف رجال الأمن ودور العبادة والمرافق العامة. فالمسؤولية لا ينبغي أن تقف عند حدود من يحمل السلاح وينفذ الجريمة، بل يجب أن تمتد، وفق أحكام القانون، إلى كل من تثبت مساهمته الإجرامية فيها، مع ضمان ألا يفلت أي مسؤول عن الجريمة من العقاب المستحق.
إن دماء ضحايا الكرك ودماء شهيد الواجب في عمّان لا يجوز أن تتحول إلى مجرد أرقام في سجلات الجرائم، ولا أن تبقى صرخات ذويهم حبيسة الألم والحزن. فخلف كل شهيد عائلة فقدت عزيزاً، وأطفال فقدوا سنداً، وأمهات وآباء يحملون وجعاً لا تمحوه السنوات. وإذا كانت الدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها، فإن هذه المسؤولية تستوجب أن تكون التشريعات على مستوى التحديات، وأن يكون إنفاذ القانون حاسماً وعادلاً، وأن تكون حماية الأرواح أولوية تتقدم على كل اعتبار.
ولا بد هنا من التأكيد أن المطالبة بتغليظ العقوبات لا تعني الانتقام أو تجاوز العدالة، وإنما تعني ترسيخ دولة القانون التي تحاسب المجرم على قدر جريمته، وتحمي الأبرياء من بطشه، وتصون حقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة. فالقوة الحقيقية للدولة لا تكمن في شدة العقوبة وحدها، بل في عدالة التشريع وحتمية المحاسبة وكفاءة المؤسسات الأمنية والقضائية. كما أن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالعقوبات فقط، بل تتطلب مواجهة الفكر المتطرف من منابعه، وملاحقة شبكات التحريض والتمويل، وتعزيز الوقاية والكشف المبكر قبل أن تتحول النوايا الإجرامية إلى دماء تُسفك وأرواح تُزهق.
إن الأردن الذي قدّم أبناؤه من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أرواحهم دفاعاً عن أمنه واستقراره، يستحق أن نقف جميعاً صفاً واحداً خلف مؤسساته، وأن نمنح قضية مكافحة الإرهاب ما تستحقه من اهتمام تشريعي ووطني. فليس من المقبول أن ننتظر وقوع جريمة جديدة حتى نعيد طرح الأسئلة ذاتها، أو أن ننتظر شهيداً آخر حتى نفتح النقاش حول مدى كفاية قوانيننا وإجراءاتنا. إن التشريع المسؤول يستبق الخطر ولا ينتظر وقوع الكارثة، والدولة القوية لا تكتفي بمحاسبة الإرهاب بعد وقوعه، بل تعمل بكل أدواتها المشروعة على منع وقوعه ابتداءً.
لقد آن الأوان أن ننتقل من ردود الأفعال إلى مراجعة التشريعات، ومن عبارات الاستنكار إلى إجراءات أكثر فاعلية، ومن الحزن على الشهداء إلى تعزيز الضمانات التي تحمي أرواح الأحياء. فالوطن الذي ندين له بالولاء والانتماء لا يستحق منا أقل من ذلك، والأردنيون الذين التفوا دائماً حول قيادتهم الهاشمية ومؤسسات دولتهم يستحقون أن تبقى حياتهم وأمنهم وكرامتهم في مقدمة الأولويات الوطنية.
وأخيراً، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يفكر بالاعتداء على الأردن وأبنائه واضحة لا تحتمل التأويل: الأردن ليس ساحة للإرهاب، والأردنيون ليسوا أهدافاً مستباحة، ورجال أمننا ليسوا وحدهم في مواجهة التطرف، ودماء شهدائنا ليست رخيصة. ومن يعتدي على هذا الوطن يجب أن يواجه قوة الدولة وعدالة القانون، دون تهاون أو إفلات من العقاب.
فرحمة الله على ضحايا الكرك، وعلى شهيد الواجب العريف جواد السلايطة، وعلى كل من ارتقى دفاعاً عن أمن الأردن. وحمى الله وطننا وقيادته الهاشمية وشعبه وأجهزته الأمنية، وليبقَ الأردن وطناً عصياً على الإرهاب، شامخاً بوحدة أبنائه، قوياً بعدالة قوانينه وهيبة مؤسساته.