د. ماهر سليم : حصون الوعي: المؤسسات التعليمية خط الدفاع الأول عن أمن الأردن
حين يضرب الإرهاب فإنه لا يستهدف جسداً بعينه
أو مكاناً بذاته ....إنما يصوّب سهامه نحو (العقد الاجتماعي )الذي يربطنا
محاولاً غرس خناجر الشك في خاصرة الوحدة الوطنية. إن بشاعة الجريمة
الإرهابية لا تنتهي عند دويّ الانفجار أو رصاصة الغدر ..بل تبدأ في ما بعد
الحدث حين يراهن القتلة على تحويل الحزن إلى انقسام والألم إلى فتنة والغضب
إلى اتهامات عشوائية تحرق الأخضر واليابس.!!
لقد آلمنا وآلم كل بيت
أردني الجريمة التي حدثت واستشهاد اعزاء من أبنائه كذلك تضحية العريف جواد
علي خلف السلايطة الذي ارتقى وهو يذود عن حياض الوطن. هذه التضحية ليست
مجرد رقم في سجل الشهداء بل هي صرخة في وجه الفكر التكفيري المنحرف الذي
تبرأت منه الأديان والأوطان. إن المجرم الذي استباح الدماء لا يمثل إلا
ضلال فكره ولا ينتمي لنسيجنا الاجتماعي الأصيل بل هو (طفيلي) نبت في بيئة
التضليل ..!!! مما يجعل معركتنا الحقيقية هي معركة اجتثاث الجذور الفكرية
الغريبة قبل الميدانية.
التعليم.. من ((التلقين إلى التحصين))
إن
وعينا الوطني يفرض علينا أن ندرك أن استقرار الأردن مستهدف من جهات لا
تريد لنا خيراً، تستغل العواطف الجياشة لبث سموم الشائعات. وهنا يبرز الدور
السيادي للمؤسسات التعليمية!! فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد قاعات لتدريس
المناهج بل هما (مصانع للعقول)ومختبرات لبناء الهوية الوطنية المنيعة.
إن مسؤوليتنا اليوم تتجاوز التعليم التقليدي إلى التربية على اليقظة وذلك عبر:
1.تفكيك الخطاب التحريضي:تدريب الطلبة على التمييز بين الحقائق الراسخة والأكاذيب المنمقة.
2.تعزيز التفكير الناقد: ليكون الطالب (مصفاة للأفكار لا وعاءً )يُسكب فيه كل ما يُنشر في وسائل الفضاء الرقمي.
3. ترسيخ ثقافة الدليل:فلا مكان للإشاعة في مجتمع يقدس الحقيقة ويترك التحقيق لأهل الاختصاص.
الجامعة.. (أردنّ مصغر للتعايش)
من
واقع تجربتنا الطويلة العلمية والعملية في العمل الجامعي نؤمن بأن الحرم
الجامعي هو المساحة الأهم لترجمة قيم التعايش إلى ممارسة يومية. يدخل
الطالب الجامعة وهو يحمل أحكاماً مسبقة وتصورات نمطية...وكان دورنا ولا
يزال هو إدارة هذا اللقاء الحضاري التفاعلي بما يخدم الوطن فحين ينخرط
طلبة من منابت وأصول ومحافظات مختلفة من اردننا الحبيب في أجواء بيئة
دراسية واعدة وبحث علمي مشترك أو مبادرة تطوعية أو فريق رياضي فإنهم
سيكتشفون إنسان الجانب الايجابي الآخر ...هنا ستسقط الحواجز وتتلاشى
الهواجس ؟! وتنشأ علاقات متوازنة قائمة على الكفاءة والاحترام المتبادل وهي
الضمانة الحقيقية ضد أي محاولة للاستقطاب الفئوي أو الطائفي.
زمن السيادة الرقمية والمسؤولية الأخلاقية
في
عالم التواصل الاجتماعي اليوم وغداً أصبح الخبر الكاذب أسرع من الرصاصة.
إن إعادة نشر محتوى مشبوه أو صورة مبتورة ليس فعلاً عابراً...بل (هو مشاركة
في الجريمة )عن غير قصد. لذا يجب أن تتبنى مؤسساتنا التعليمية مساقات
(التربية الإعلامية والمعلوماتية) كحاجة أمنية ملحة !! ليتعلم الشباب أن
كرامة الناس وحقوقهم مصونة... وأن الغضب لا يبرر الاتهام الجماعي.
الوفاء للشهداء.. عهد وفعل
إن
الوفاء الحقيقي للشهيد جواد السلايطة ولكل من قدم روحه للأردن لا يكون فقط
بالكلمات بل بالوقوف صفاً واحداً خلف أجهزتنا الأمنية الكفوءة وبرفض أي
محاولة لاستثمار الجراح في شق الصف. إن المسؤولية الأخلاقية تقتضي منا أن
نكون ((حراس السلم الأهلي)) ننبذ الإرهاب بوضوح قاطع دون مواربة أو أعذار
فالمعتدي مجرم لا هوية له سوى إجرامه.
الاستثمار في العقل هو استثمار في الأمن
إن
حماية الأردن هي منظومة متكاملة، تبدأ من البيت ...وتنمو في المدرسة
وتتبلور في الجامعة وتحميها البندقية في الميدان. عندما يتخرج الشاب وهو
يؤمن بأن الاختلاف ثراء وأن الوطن مظلة الجميع وأن العنف ضعف والوحدة قوة
نكون قد أقمنا أقوى سياج يحمي الأردن من أعاصير الكراهية.
ستظل
المؤسسة التعليمية في الأردن هي ((البوصلة والدرع )) بالعلم الهادف المخطط
له نحارب الجهل وبالفكر نقهر الإرهاب وبالانتماء نصون هذا الوطن العزيز
الذي لا يقبل القسمة إلا على نفسه.