العشي يكتب: كم «جو حطاب» في الأردن؟
بقلم: الإعلامي الدكتور محمد العشي
بدايةً، وقبل الخوض في أي تفاصيل، لا بد من وضع النقاط على الحروف والتأكيد بوضوح: نحن لسنا ضد ما يقوم به صانع المحتوى الأردني جهاد حطاب، المعروف بـ«جو حطاب»، ولسنا ضده شخصيًا بأي شكل من الأشكال، بل على العكس تمامًا؛ نحن فخورون به وبما حققه من نجاح عربي وعالمي، وبما يقدمه من صورة جميلة ومشرّفة عن الأردن أمام ملايين المتابعين حول العالم.
فجو حطاب، في نهاية المطاف، قصة نجاح أردنية تستحق التقدير، خصوصًا أن حضوره العالمي مكّنه من الوصول إلى جمهور واسع، وهو اليوم يوظف خبرته ومحتواه في تقديم الأردن بصورة جميلة إلى العالم. وقد حصدت مقاطعه الأخيرة عن البترا أكثر من 13.3 مليون مشاهدة خلال يوم واحد، في مؤشر على حجم الجمهور الذي يستطيع الوصول إليه من خلال المحتوى الرقمي.
لكن السؤال الذي أراه أهم من الاحتفاء نفسه هو: كم «جو حطاب» موجود بيننا في أردننا الغالي؟
كم من الشباب والشابات يمتلكون الشغف ذاته، أو ربما شغفًا مختلفًا في الإعلام، والابتكار، والعلوم، والرياضة، والثقافة، والفنون، وصناعة المحتوى وريادة الأعمال، لكنهم لا يزالون في بدايات الطريق، ولا يملكون شهرة جو حطاب ولا القدرة على الوصول إلى ملايين الناس؟
هنا تحديدًا تبدأ القضية.
فالمشكلة ليست في أن نحتفي بمن نجح، بل في أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا معه قبل أن ينجح؟ وماذا نفعل اليوم مع آلاف الشباب الذين لم يصلوا بعد إلى تلك المرحلة؟
لماذا نكتشف أحيانًا قيمة المبدع الأردني بعد أن يثبت نفسه خارج وطنه؟ ولماذا يصبح النجاح الذي صنعه الأردني في الخارج سببًا كافيًا لفتح الأبواب أمامه عند عودته، بينما قد يجد الشاب نفسه في بداية الطريق يبحث طويلًا عن باب واحد يُفتح له، أو جهة تؤمن بفكرته، أو مؤسسة تقول له: نحن نراك، ونحن مستعدون لمساعدتك؟
ليس المقصود هنا التقليل من قيمة الاحتفاء بأي ناجح، بل على العكس؛ الاحتفاء بالنجاح حق مستحق، لكن الأهم أن نصل إلى مرحلة نحتفي فيها بالمبدع قبل أن يضطر إلى إثبات نفسه في الخارج.
ولعل قصة الشاب الأردني قتيبة البشابشة لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية حتى اليوم.
في ذلك الوقت، عبّر قتيبة عن قلقه من المستقبل، وسأل رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إن كان هناك أمل في أن تتحسن الحياة في الأردن، أم أن الهجرة أصبحت خيارًا لا مفر منه، فجاءه رد الرزاز الشهير: «لا تهاجر يا قتيبة». ومن هنا تحولت العبارة إلى واحدة من العبارات التي بقيت حاضرة في النقاش الأردني حول الشباب والهجرة والفرص.
لكن اللافت أن قتيبة نفسه لم يهاجر في نهاية المطاف، بل واصل طريقه داخل الأردن، وباشر العمل في شركة برومين الأردن عام 2024.
وهذه الحقيقة تجعل قصته أكثر أهمية، لا أقل؛ لأنها تذكرنا بأن الشاب الذي كان يومًا يفكر في الرحيل يمكن أن يجد طريقًا للبقاء عندما تتوافر له فرصة حقيقية.
لكن كم شابًا آخر لم يجد تلك الفرصة؟
وكم شابًا لم يجد من يقول له «لا تهاجر» فحسب، بل وجد مؤسسة تقول له: ابقَ، ولدينا هنا مكان لفكرتك ومشروعك وموهبتك؟
وهنا نتذكر وعودًا أخرى بقيت حاضرة في الذاكرة الأردنية.
ففي عهد رئيس الوزراء الأسبق الدكتور هاني الملقي، ارتبط حديث رسمي بعبارة «عنق الزجاجة»، مع القول إن الأردن سيخرج منها في منتصف عام 2019، في سياق الحديث عن تجاوز الصعوبات الاقتصادية وتحسين الواقع الاقتصادي.
ومع مرور السنوات، لا تزال عبارة «عنق الزجاجة» حاضرة في الذاكرة كلما عاد الحديث عن الاقتصاد والبطالة والفرص ومستقبل الشباب.
ولا نذكر هذه التصريحات من باب محاكمة أشخاص أو تحميل حكومة بعينها مسؤولية كل ما مر به الأردن؛ فالدول لا تُبنى ولا تتعثر بسبب تصريح واحد، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيدًا من ذلك. لكننا نستحضرها لأن الشاب الأردني لا يعيش على التصريحات؛ هو يبحث عن نتيجة يلمسها في حياته اليومية.
فالشاب لا يريد فقط أن يسمع أن المستقبل أفضل؛ يريد فرصة عمل، ومشروعًا يجد من يحتضنه، واختراعًا يجد طريقه إلى السوق، وموهبة تجد من يكتشفها، وفكرة تجد من يؤمن بها.
وهنا نصل إلى واحدة من القصص التي تختصر جانبًا من هذه المشكلة: قصة المخترع الأردني فايز ضمرة.
فقد غادر المخترع الأردني ورئيس جمعية المخترعين الأردنيين فايز ضمرة إلى تركيا بعد تجربة طويلة في مجال الاختراع ومحاولات إيصال اختراعاته إلى السوق والاستثمار فيها، في قصة تناولتها وسائل إعلام أردنية آنذاك، وارتبطت بما طرحه من انتقادات حول البيئة التي يحتاج إليها المخترع الأردني لتحويل أفكاره إلى مشاريع ومنتجات قابلة للتطبيق.
القصة هنا ليست مجرد قصة شخص غادر إلى تركيا؛ القصة الأهم هي السؤال الذي تتركه وراءها:
ماذا لو وجد هذا المخترع البيئة المناسبة داخل الأردن؟
ماذا لو وجد جهة واحدة تجمعه بالمستثمر، والجامعة، والمختبر، والسوق، والجهات الحكومية، وتساعده على تحويل الفكرة إلى منتج، والاختراع إلى شركة، والمعرفة إلى قيمة اقتصادية؟
وكم اختراعًا أردنيًا ربما بقي على الورق لأن صاحبه لم يجد التمويل أو الحاضنة أو الشريك أو الطريق إلى السوق؟
وكم طبيب ومهندس وباحث ومخترع ومبرمج وصانع محتوى ورائد أعمال بحث عن بيئة أفضل خارج بلده، ليس لأنه لا يحب الأردن، وإنما لأنه يبحث عن المكان الذي يستطيع فيه أن يحقق ما يؤمن به؟
وهنا تحديدًا يجب أن ننتقل من سؤال: «لماذا يهاجرون؟» إلى سؤال أكثر أهمية:
«لماذا لا نجعل بقاءهم خيارًا ممكنًا ومجديًا؟»
لماذا لا تكون لدينا منصة وطنية حقيقية، أو جهة متخصصة ومستقلة، تجمع تحت مظلتها المبدعين والمخترعين والمثقفين وصناع المحتوى والباحثين ورواد الأعمال وأصحاب الأفكار والمواهب؟
منصة لا تكون مجرد موقع إلكتروني أو قاعدة بيانات جديدة، وإنما منظومة وطنية لاكتشاف المواهب ورعايتها وتمكينها.
منظومة تقول للشاب الأردني: لا تنتظر حتى تصبح مشهورًا حتى نكتشفك.
تكتشفه وهو في البداية، وتقيّم فكرته، وتربطه بالجهة المناسبة، وتوفر له الإرشاد، وتفتح أمامه أبواب التمويل، وتربطه بالقطاع الخاص والمستثمرين، وتساعده في حماية فكرته وتسويقها، وتمنحه فرصة الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية.
نحن لا نحتاج فقط إلى منصة تجمع الأسماء؛ نحتاج إلى منظومة تصنع الفرص.
فالجامعات موجودة، والمؤسسات الحكومية موجودة، والقطاع الخاص موجود، والمبدعون موجودون، والمخترعون موجودون، والشباب موجودون، لكن السؤال هو: أين الحلقة التي تربط كل هؤلاء ببعضهم بعضًا؟
ولماذا لا يكون هناك ملف وطني للمواهب الأردنية، يتم تحديثه باستمرار، ويضم أصحاب المشاريع والاختراعات والمبادرات والمهارات الإبداعية، بحيث لا تبقى الموهبة مجهولة فقط لأنها لم تجد من يعرّف بها؟
ولماذا لا تتحول قصص النجاح الأردنية إلى نماذج تُستثمر داخل الوطن، بحيث يصبح الناجح نفسه جزءًا من منظومة اكتشاف الجيل الجديد؟
فجو حطاب الذي استطاع أن يصل بمحتواه إلى ملايين الناس، يمكن أن يكون نموذجًا لشاب أردني آخر يريد أن يبدأ من الصفر.
والمخترع الذي يبحث عن سوق لا عن مجرد شهادة، يحتاج إلى منظومة تساعده على الوصول إلى المستثمر.
والباحث الذي يمتلك فكرة جديدة يحتاج إلى جهة تؤمن بفكرته قبل أن تعرضها عليه مؤسسة خارجية.
وصانع المحتوى الذي يملك الموهبة يحتاج إلى تدريب وتوجيه وفرص إنتاج، لا إلى الانتظار حتى يصبح اسمه معروفًا.
والشاب الذي يفكر في الهجرة لا يحتاج فقط إلى عبارة «لا تهاجر»، وإنما يحتاج إلى سبب حقيقي يجعله يقرر البقاء.
وهذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها طويلًا.
لا يكفي أن نقول لشبابنا: لا تهاجروا. يجب أن نبني وطنًا يجعل البقاء فيه خيارًا يستحق التجربة.
نحن لا نريد أن نكتشف أبناءنا بعد أن تصنعهم دول أخرى.
لا نريد أن يعود المبدع الأردني من الخارج بعد أن يصبح مشهورًا، فنفتح له الأبواب ونحتفي به ونلتقط الصور معه، بينما كان بالأمس يبحث عن فرصة ولم يجدها.
ولا مشكلة في الاحتفاء بالناجحين، بل هو واجب؛ لكن الأجمل أن تكون هناك منظومة تجعلنا نقول للشاب الأردني منذ البداية:
نحن نؤمن بك قبل أن يعرفك العالم.
الأردن ليس فقيرًا بالمواهب، ولا أعتقد أن المشكلة في غياب العقول أو الأفكار. ففي كل مدينة وقرية ومخيم وبادية وجامعة ومدرسة، هناك شاب أو فتاة يمتلكان فكرة أو موهبة أو مشروعًا قد يكون قادرًا على إحداث فرق حقيقي.
لكن الموهبة وحدها لا تكفي.
الموهبة تحتاج إلى فرصة، والفكرة تحتاج إلى حاضنة، والاختراع يحتاج إلى استثمار، والنجاح يحتاج إلى منظومة.
ولهذا فإن قصة «جو حطاب» يجب ألا تكون فقط مناسبة للاحتفاء بنجاح أردني عالمي، بل فرصة لطرح سؤال وطني أكبر:
كم «جو حطاب» بيننا اليوم ولم نكتشفه بعد؟
وكم مخترعًا لا يزال ينتظر من يطرق بابه؟
وكم شابًا لديه مشروع يمكن أن يصبح شركة؟
وكم مبدعًا يحتاج فقط إلى أول فرصة؟
وكم شابًا أردنيًا يفكر اليوم في الهجرة، لا لأنه يكره وطنه، بل لأنه يريد مستقبلًا يشعر فيه أن جهده سيجد مكانه؟
هذه ليست أسئلة ضد الحكومة، ولا ضد المؤسسات، ولا ضد جو حطاب.
إنها أسئلة من أجل الأردن.
فالأردن الذي استطاع أن يخرج منه جو حطاب إلى العالم، قادر على أن يخرج منه آلاف القصص المشابهة في مجالات مختلفة، إذا انتقلنا من ثقافة الاحتفاء بالناجح بعد نجاحه إلى ثقافة اكتشافه ودعمه وتمكينه قبل نجاحه.
نحن فخورون بجو حطاب، وسنبقى فخورين بكل أردني يرفع اسم وطنه في أي مكان في العالم.
لكن طموحنا يجب أن يكون أكبر من ذلك.
أن يصبح لدينا وطن لا ينتظر نجاح أبنائه في الخارج حتى يكتشف قيمتهم، بل يعرف قيمتهم وهم لا يزالون بيننا.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا، ويستحق من أصحاب القرار إجابة عملية لا مجرد تصريح جديد:
كم «جو حطاب» في الأردن؟
والأهم من ذلك...
هل نملك الشجاعة والمنظومة التي تجعلنا نكتشفهم قبل أن يضطروا إلى الرحيل؟