اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

طلال البواعنة : السيادة الوطنية على البيانات الرقمية نحو نموذج أردني AI In a Box

طلال البواعنة : السيادة الوطنية على البيانات الرقمية نحو نموذج أردني AI In a Box
أخبارنا :  

من يتابع مباريات كرة القدم ، خاصة الدوري السعودي ، يلاحظ أن فريق النصر يضع على قميصه علامة تجارية لشركة HUMAIN ، وإذا عمّقنا البحث نجد أن هذا الشعار يحمل دلالة ترويجية أبعد من كرة القدم، فالاسم يشير إلى مشروع طموح لتوسيع وبناء منظومة سعودية متكاملة للذكاء الاصطناعي تحت السيادة الوطنية، تمتد من المعرفة والقدرة الحاسوبية إلى امتلاك السحب الافتراضية ومراكز البيانات والنماذج والتطبيقات.

تمثل شركة HUMAIN - منذ انطلاقها في مايو/أيار 2025 بالرياض- أحد أبرز مشاريع صندوق الاستثمارات العامة السعودي PIF ، ولديها شراكة استراتيجية مع كبرى الشركات التقنية مثل:NVIDIA ،AMD ،AWS، وتحظى باهتمام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وكشفت الشراكة المعلنة بينها وبين مجموعة NVIDIA عن خطة طموحة تستهدف بناء قدرات تصل لـ 500 ميغاواط ومئات الآلاف من وحدات المعالجة المتقدمة خلال السنوات الخمس المقبلة.

التوسع الذي يشهده استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتسهيلات التي يقدمها في مختلف المجالات يصطدم بأمر هام وحساس جداً وهو حماية البيانات وعدم تسربها أو تعطيل الوصول لها، خاصة أن عمليات التخزين السحابي ليست تحت سيطرة الجهات المستفيدة من البرامج الذكية، ولذلك تبحث جميع الدول عن توفير الحماية اللازمة لمؤسساتها وأصولها السيادية سواء كانت قوات مسلحة أو أجهزة أمنية أو مراكز مالية وشركات طاقة، ومن هنا تأتي رؤية المشروع السعودي بأن تحتضن مركزاً خاصاً بها لاستضافة وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

توجهات الدول لبناء منظومات ذكاء اصطناعي خاصة بها، تعزز الرؤية الأردنية بضرورة وجود خوارزمية وطنية تضمن السيادة على البيانات والمعلومات الأكثر حساسية، والبحث عن موقع في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند حدود استخدام التكنولوجيا وتوفيرها، وإنما السيطرة عليها ومنع اختراقها أو بقائها مخزنة في سحب خارج سيطرة الدولة.

وبالنظر إلى أن التسابق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي بلغ مستويات غير مسبوقة ، فالواضح أن المعركة القادمة لن تكون بين التطبيقات والخوارزميات المتقدمة والروبوتات، بل بين الدول التي تمتلك البنية التحتية والقدرات التكنولوجية والبيانات لتشغيل هذه التقنيات.

المبشر في الأمر أن الأردن لا يبدأ من الصفر، وبمراجعة السياسات الحكومية نجد أن لدى الدولة منهجية معتمدة في مجال الذكاء الاصطناعي منذ عام 2020، واستراتيجية وطنية 2023–2027 ، تتضمن 68 مشروعاً ضمن خمسة أهداف رئيسية، أحدها توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع العام والقطاعات ذات الأولوية ، فضلاً عن وجود إطار لإدارة وتصنيف البيانات الحكومية، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023، فيما تضع وزارة الاقتصاد الرقمي ضمن منظومتها الحالية استراتيجية للتحول الرقمي للأعوام 2026–2028.

أدرك الأردن مبكراً العلاقة بين التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة من جهة، وبين تخزين وحماية البيانات من جهة ثانية، ولذلك وضعت ضوابط تنظم هذه المسألة، فالبيانات عالية السّرية تخزن بموقع داخل الأردن، فيما يتم تخزين مستويات أخرى من البيانات -وفق الضوابط أيضاً - ، في بيئات سحابية آمنة داخل المملكة أو خارجها.

المسألة الاخرى التي يجب وضعها في الحسبان ، لا تتعلق فقط بكيفية حفظ البيانات وتخزينها، وإنما في تحليلها واستخراج الإنماط والمعرفة منها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، فطرق المعالجة تحتل أهمية توازي أهمية التخزين لأن الوصول لها يعني انكشاف الدولة والقدرة على الإضرار بها. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لمفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي Sovereign AI ، ولا يعني ذلك أن يقوم الأردن بتصنيع الرقائق ومنافسة الشركات العالمية، ولكن بأقل تقدير أن يمتلك مستوى كافٍ من السيطرة على بنيته الحاسوبية والنماذج المستخدمة في المؤسسات الحساسة.

ما نريده أردنياً، هو مشروع تجريبي Pilot Project لإنشاء بيئة ذكاء اصطناعي مغلقةJordanian AI In a Box تحتوي خوادم وبرمجيات وأدوات حماية، تعمل على معالجة البيانات الحساسة دون الحاجة إلى إرسالها في كل مرة إلى بيئة خارجية، على غرار ما قامت به شركة HUMAIN والتي أعلنت عن تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي "سيادية" مستضافة بالكامل في مراكز بيانات سعودية .

صحيح أن الأردن لا يملك الموارد والقدرات المالية الموازية للشقيقة السعودية، ولكن يملك بالمقابل عناصر شبابية متميزة عربياً وعالمياً في التكنولوجيا والصناعة الرقمية، قد تكون قادرة على إنتاج نموذج مطور عبر توجيه التطبيقات الذكية لحفظ البيانات الأكثر حساسية محلياً وأبقائها تحت السيادة الوطنية، فضلاً عن إهتمام وإصرار ملكي جاد لإطلاق طاقات الشباب وتذليل أية عقبات لتنمية مهارتهم الرقمية والتكنولوجية، وهو توجه يحظى بمتابعة مباشرة من سمو ولي العهد الأمير الحسين، عبر إشرافه على المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل.

وبالتالي قد يكون المطلوب إضافة طبقة جديدة في القدرة الحاسوبية، وبشكل متدرج ويتناسب مع الإمكانات الأقتصادية، ومعرفة القدرة اللازمة لتحصين البيانات ومعالجتها داخلياً، وما الذي يمكن الحصول عليه بأمان من شركاء خارجيين، وإذا نجحت التجربة، يمكن بعدها الانتقال لقطاعات أخرى وفق درجة حساسية البيانات.

ولا بد من الأخذ في الاعتبار أن فكرة ضمان السيادة المطلقة على كافة البيانات الوطنية لا تعني الانغلاق التكنولوجي أو التخلي التام عن الشركات التقنية الكبرى وسلاسل التوريد العالمية ، فهذا المنطق ليس واقعياً، فالأردن ليس بحاجة إلى امتلاك كل شيء ، وإنما امتلاك ما لا يجوز فقدان السيطرة عليه، وهو جوهر قيمة المشروع السعودي الذي يقوم على الانتقال من استخدام الأنظمة الذكية إلى مرحلة امتلاك بنيته التحتية .

في الختام، لم تعد السيادة الرقمية مسألة تكنولوجية بحتة، بل أصبحت ركناً من أركان الأمن الوطني وحفظ المعلومات وبسط السيطرة عليها، ومن المهم أن يكون لدى صانع القرار الأردني تصورا واضحا حول ما البيانات التي تحتل أولوية قصوى في الحماية والسيادة، وتوجيه الطاقات الوطنية لتحقيق ذلك.

وبالنظر إلى أن الأردن لديه الأدوات والعناصر الرئيسية (اهتمام ملكي بتكنولوجيا المستقبل، التوجه الحكومي للتحول الرقمي ، طاقات بشرية حاضرة بقوة في قطاع التكنولوجيا)، فالتحدي هو تجميع هذه العناصر بمشروع وطني واحد عنوانه "بناء نموذج ذكاء أردني سيادي متدرج" .



مواضيع قد تهمك