العشي يكتب: منصة فحص الوافدين في وزارة الصحة.. من بوابة للتنظيم إلى عقبة ترهق المراجعين
بقلم الإعلامي الدكتور محمد العشي
في الوقت الذي تسعى فيه مؤسسات الدولة نحو التحول الرقمي وتسهيل الإجراءات الحكومية، تبرز بعض التحديات التي قد تحول المنصات الإلكترونية من أداة للتيسير إلى عقبة بيروقراطية حديثة. ولعل ما يواجهه الوافدون والمراجعون عبر منصة حجز المواعيد للفحص الطبي التابعة لمديرية الأمراض الصدرية وصحة الوافدين في وزارة الصحة، يمثل نموذجاً لواقع يتطلب معالجة سريعة لمشكلتين جوهريتين تعترضان سير المعاملات.
تتمثل المعضلة الأولى في عدم قدرة النظام، في ظل الضغط الكبير على المواعيد، على استيعاب أعداد المراجعين. فالوافد الذي يسعى حثيثاً إلى تصويب أوضاعه ضمن المدة القانونية، يدخل إلى المنصة ليُفاجأ برسالة متكررة: «تم اكتمال العدد للمركز الصحي، يرجى حجز موعد في يوم آخر».
وهذا الضغط يعني أن المواعيد المتاحة قد تُرحّل لفترات طويلة. وهنا تقع المفارقة القاسية؛ فالوافد يجد نفسه فجأة أمام خطر انتهاء المدة القانونية المقررة له بسبب انتظار الفحص. وعند توجهه لاحقاً إلى إدارة الإقامة والحدود أو وزارة العمل لاستكمال أوراقه، يُسجل قانونياً في خانة "المخالفين"، وتُفرض عليه غرامات مالية يومية تُدفع كعقوبة لتجاوز مدة الإقامة أو التصريح، رغم أنه بادر مبكراً لمحاولة حجز الموعد عبر المنصة الصحية.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: كيف يتحمل المراجع تبعات مالية وقانونية عن تأخير لم يكن له دور في حدوثه، إذا كان سبب عدم إتمام معاملته هو عدم توفر موعد عبر المنصة الحكومية؟
أما الخلل الآخر، فيرتبط بالجانب الفني للمنصة، وما يظهر من تباين في إمكانية الحجز بين بعض المراكز الصحية. فمن خلال التجربة العملية، وعند إدخال «الرقم الشخصي» الممنوح للوافد، يقوم النظام تلقائياً باستدعاء بياناته كاملة. لكن الإشكالية تظهر بوضوح لدى فئات محددة، كزوجات الأردنيين من حملة الوثائق؛ إذ يُفاجأ المراجع عند اختيار مركز صحي معتمد، كمركز صحي اللويبدة، برسالة إلكترونية تفيد بأن: «الجنسية غير مفعلة على المركز الصحي».
وأمام هذه الرسالة، يبرز تساؤل مهني ومشروع: هل الأمر مرتبط بإعدادات الخدمة لكل مركز، أم أن هناك خللاً في تحديث قواعد البيانات وربطها بالمنصة الإلكترونية؟ وفي كلتا الحالتين، فإن المراجع بحاجة إلى تفسير واضح وحل عملي يتيح له إتمام معاملته، بدلاً من تركه أمام رسالة إلكترونية لا توضح له سبب المشكلة أو البديل المتاح أمامه.
إن هذه الملاحظات، التي تستند إلى تجارب فعلية ورسائل تظهر عبر المنصة، تتجاوز مجرد الشكوى العابرة، وتستدعي مراجعة إدارية وفنية لآلية عمل النظام، خصوصاً عندما تكون المعاملة مرتبطة بمدد قانونية وتبعات مالية.
فالرسالة اليوم موجهة إلى أصحاب القرار والكوادر التقنية والإدارية في وزارة الصحة، لإيجاد حلول عملية تضمن زيادة القدرة الاستيعابية للمواعيد والمراكز عند الحاجة، ووضع آلية واضحة بالتعاون مع الجهات المعنية للحالات التي يتعذر فيها الحجز رغم محاولة المراجع الالتزام بالمدة القانونية، إلى جانب معالجة مشكلة «الجنسية غير مفعلة على المركز الصحي» وضمان وصول جميع الفئات المشمولة بالخدمة إلى الإجراء الصحيح دون إرباك أو تعطيل.
فالأصل في أي منصة رقمية أن تُنشأ لتسهيل الإجراءات، لا أن تضع المراجع أمام انتظار لا يملك التحكم فيه، أو رسالة إلكترونية لا تمنحه حلاً واضحاً.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يكون بمجرد نقل المعاملة إلى شاشة، وإنما بقدرة النظام على تسهيلها وإنجازها وحل العقبات التي تواجه المراجع.