ميس القضاة : سيدنا يحمل الأردن معه ..
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حين تتغير موازين المنطقة وتتقاطع فيها ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد، ظهر في بعض الإعلام الأجنبي سؤال: «أين الملك عبدالله؟». لكن السؤال، رغم بساطته، لا يقرأ المشهد الأردني كاملاً، فمكان جلالة الملك ليس مجهولاً وتحركاته الرسمية ينشرها الديوان الملكي الهاشمي بوضوح، وكانت زيارته الأخيرة إلى الصين معلنة بكل تفاصيلها، من لقاءاته مع القيادة الصينية إلى الملفات التي حملها معه، ثم عودته إلى أرض الوطن، لذلك، لا يكمن المعنى في معرفة أين كان الملك، بل في فهم لماذا كان هناك، وماذا كان يحمل معه.
كان يحمل الأردن، وهذه ليست استعارة عاطفية بقدر ما هي حقيقة سياسية. فعندما يجلس جلالة الملك مع قيادة دولة كبرى، فإن الحاضر على الطاولة ليس شخص جلالة الملك فقط، بل مصالح المملكة ومكانتها وأمنها ومستقبل أبنائها. وعندما يبحث عن شراكات اقتصادية واستثمارات وفرص تعاون، فإن الأمر يتصل مباشرة بمستقبل الأردن وقدرته على توسيع خياراته في عالم شديد التنافس، وعندما يناقش قضايا المنطقة، فإنه يتحدث عن أمن بلد يقع في قلبها، وعن مصالح وطن لا يستطيع أن يفصل مستقبله عما يجري حوله.
الأردن ليس دولة تملك رفاهية الانكفاء. موقعه يفرض عليه أن يكون حاضراً، يقظاً وقادراً على بناء علاقاته مع القوى المختلفة دون أن يفقد بوصلته الوطنية. وما حافظ عليه الأردن عبر سنوات من الاضطراب لم يكن أمراً تلقائياً، فالاستقرار الذي ينعم به الأردني هو حصيلة دولة بمؤسساتها وجيشها وأجهزتها وشعبها، وقيادة تتحمل مسؤولية القرار في بيئة إقليمية لا تسمح بالكثير من الأخطاء. وفي مقدمة هذه القيادة يقف جلالة الملك عبدالله الثاني، حاملاً ملفات الأردن إلى أعلى مستويات الحوار الدولي، ومدافعاً عن مصالحه، وحريصاً على أن يبقى للأردن مكان وصوت ومساحة للحركة.
ولهذا فإن الأمان الذي يشعر به الأردني ليس تفصيلاً عابراً، أن يعيش الإنسان في وطن مستقر بينما تحيط به الحروب والأزمات، وأن يرسل أبناءه إلى مدارسهم وجامعاتهم وعملهم وهو مطمئن، وأن تبقى مؤسسات الدولة قائمة وحدودها محمية، هي نعم ندرك معناها أكثر عندما ننظر إلى ما حدث حولنا.
والقيادة الهاشمية جزء أصيل من هذه الصورة الأردنية، فالأردني لا ينظر إلى الهاشميين باعتبارهم عنواناً سياسياً عابراً، بل باعتبارهم جزءاً من تاريخ الدولة ومسيرتها وهويتها.
ومن هنا يأتي ذلك الشعور العميق لدى الأردني حين يقول: نحن أردنيون، وقائدنا هاشمي. إنها ليست جملة للمناسبات؛ إنها تعبير عن انتماء لوطن استطاع أن يحافظ على نفسه في منطقة لم تتوقف فيها العواصف، وعن اعتزاز بقيادة تحمل مسؤولية هذا الوطن في أصعب مراحله.
لذلك، حين يُطرح سؤال «أين الملك؟»، ربما علينا أن نعيد صياغته. لا نسأل أين كان جلالة الملك فقط، لأن مكانه معروف ومعلن؛ بل نسأل: أين كان الأردن معه؟ كان حاضرلً في اللقاءات، في المباحثات، في العلاقات، وفي الملفات التي تمس أمنه ومصالحه. وحين يتحرك الملك خارج حدود الوطن، لا يترك الأردن خلفه؛ يأخذه معه، باسم شعبه، وباسم مستقبله، وباسم كل أردني يريد أن يبقى هذا البلد آمناً عزيزاً وقادراً على مواجهة ما يأتي.
قد لا نرى كل تفاصيل العمل السياسي، وقد لا تظهر نتائجه فوراً، لكننا نعرف أن الدول لا تُحمى بالظهور الإعلامي وحده، وإنما بالقدرة على التحرك، وبناء العلاقات، وحماية المصالح، والحفاظ على موقع الدولة عندما تضيق الخيارات.
وهذا ما يجعلنا، قبل أي شيء، نقولها بثقة واعتزاز: نحن أردنيون، نفتخر بوطننا، ونعتز بقيادتنا الهاشمية، ونحمد الله على نعمة الأمن والاستقرار.
سيدنا مش غايب. سيدنا حاضر حيث يجب أن يكون الأردن. سيدنا يحمل الأردن معه… ويعمل لأجل الأردن والأردنيين .