م. وائل سامي السماعين : من قيم الأردنيين… للاعتذار مكانة، وللصفح قيمة، وللإنسان كرامة
ليست المجتمعات القوية تلك التي لا يخطئ أفرادها، فكلنا نخطئ، وإنما تلك التي تعرف كيف تتعامل مع الخطأ: بالعدل لا بانفعال اللحظة، وبالتصحيح لا بالإلغاء، وبالصفح لا بالتشفّي.
وفي الأردن، تربينا على قيم أصيلة ربما نحتاج اليوم إلى استحضارها أكثر من أي وقت مضى: للاعتذار مكانة، وللصفح قيمة، وللإنسان كرامة.
نحن مجتمع نعتز بثوابتنا ونحترم مقدساتنا، ولا نقبل الإساءة إليها أو الانتقاص منها. لكن تمسكنا بثوابتنا لا يتعارض مع قيمة لا تقل أهمية، وهي العدل في الحكم على الناس.
فالعدل الحقيقي لا يُختبر عندما نكون متفقين، بل عندما نختلف ونغضب. عندها يظهر الفرق بين أن نرفض الخطأ وبين أن نلغي صاحبه، وبين أن نحاسب على كلمة وبين أن نحاكم تاريخ إنسان بأكمله من خلالها.
فالإنسان لا يُختصر في زلّة، ولا تُمحى مسيرته بكلمة، ولا ينبغي أن يتحول الخطأ، متى أُدرك وتم توضيحه والاعتذار عنه، إلى حكم دائم على صاحبه.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت محاكمة الناس أسهل من الاستماع إليهم. كلمة تنتشر، ومقطع يُتداول، وفي ساعات قليلة قد تتحول المنصات إلى محاكم؛ الاتهام فيها سريع، والإدانة أسرع، بينما التثبت والإنصاف والاستماع إلى التوضيح قد تأتي متأخرة.
وهنا علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد مجتمعاً يبحث عن زلات أبنائه، أم مجتمعاً يساعد أبناءه على تصحيحها؟
هناك فارق كبير بين التسامح والتهاون. فالتسامح لا يعني التنازل عن المبادئ، وقبول الاعتذار لا يعني تبرير الخطأ. بل يعني أن نمتلك من القوة الأخلاقية ما يسمح لنا بأن نقول للإنسان: أخطأت، ورفضنا خطأك، لكننا لم نُلغِك.
هذه هي الروح التي عرفناها في الأردن؛ مجتمع استطاع، رغم اختلاف الآراء والأصول والمنابت والاجتهادات، أن يجعل ما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم.
والأردن هو المساحة المشتركة بين الجميع.
قد نختلف في الرأي والموقف والاجتهاد، وقد يخطئ أحدنا في كلمة أو تعبير، لكن الأردن يجب أن يبقى أكبر من خلافاتنا، وأوسع من غضبنا، وأقوى من أن تحوّلنا لحظة عابرة إلى معسكرات متخاصمة.
نحن بحاجة إلى ثقافة تصحح ولا تسحق، تحاسب ولا تتشفى، تنتقد ولا تهين، وترفض الخطأ دون أن تهدر كرامة الإنسان.
فالاعتذار شجاعة، وليس ضعفاً.
والصفح قوة، وليس تنازلاً.
والإنصاف عند الغضب أخلاق.
وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تصبح ضحية زلّة أو خلاف أو موجة غضب عابرة.
هذه من قيم الأردنيين التي نريد أن نحافظ عليها: نتمسك بثوابتنا، ونحترم مقدساتنا، ونرفض الخطأ، لكننا لا نغلق باب الاعتذار، ولا نحوّل الاختلاف إلى كراهية، ولا نختصر الإنسان في لحظة.
فنحن جميعاً نخطئ، وجميعاً نختلف، وقد يأتي يوم يحتاج فيه كل واحد منا إلى من يسمع توضيحه، ويفهم مقصده، ويقبل اعتذاره.
ويبقى الأردن مساحتنا المشتركة… نختلف فيه، ونتسامح فيه، ولا نخسر بعضنا بعضاً. فتلك من أجمل قيم الأردنيين: للاعتذار مكانة، وللصفح قيمة، وللإنسان كرامة.