البروفيسور يوسف العساف : التخصصات تتغير .. والأساس القوي يبقى
أبارك لكل ناجح وناجحة في الثانوية العامة، ولأسرهم، وأدعو الله أن يوفقهم في القرار الذي يأتي بعد النجاح: اختيار المسار التعليمي والمهني.
وهذا القرار لا يخص الطالب والأسرة فقط؛ بل هو قضية تهم الجامعات وصانعي السياسات وسوق العمل. ففي كل عام تظهر تخصصات جذابة ترتبط بالذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، وأشباه الموصلات، وغيرها. ومعظمها مجالات حقيقية ومهمة، لكن السؤال ليس: هل المجال مستقبلي؟ بل: هل يحتاج إلى بكالوريوس مستقل، أم إلى أساس علمي قوي يمكن البناء عليه؟
فالطالب الذي يبدأ الجامعة اليوم قد يتخرج بعد أربع سنوات أو أكثر، وخلال هذه الفترة قد تتغير التطبيقات والمنصات والأدوات التي يستخدمها سوق العمل بصورة كبيرة. ما نتعلمه كأداة اليوم قد يصبح قديمًا غدًا. لذلك من الخطأ أن نبني تعليم الإنسان كله على تقنية أو تطبيق محدد.
إذا كان الطالب أو الطالبة مهتمًا بالتكنولوجيا مثلًا، فقد يكون علوم الحاسوب خيارًا أكثر مرونة من برنامج ضيق مبني على تطبيق معين.
الأساس في الخوارزميات والبرمجة والرياضيات وهندسة البرمجيات يبقى، بينما يمكن اكتساب التخصص في الذكاء الاصطناعي أو البيانات أو الأمن السيبراني من خلال المواد الاختيارية ومشاريع التخرج والتدريب والشهادات المهنية أو الدراسات العليا.
الأداة تتغير، أما الأساس القوي فيبقى.
وفي المقابل، ليس كل ناجح في الثانوية بحاجة إلى جامعة. من لديه ميول وقدرات عملية قد يجد مستقبله في التعليم المهني والتقني، الذي يمكن أن يقوده إلى مهنة حقيقية في مجالات مثل صيانة المركبات الكهربائية، والطاقة الشمسية، والأتمتة والتحكم، والتبريد والتكييف، وصيانة الطائرات، وتقنيات المياه، واللوجستيات والأنظمة الذكية.
وهنا يمكن أن نتعلم من ألمانيا. فالنظام الألماني لا ينظر إلى التعليم المهني كمسار أدنى من التعليم الجامعي، بل جعله جزءًا أساسيًا من منظومة إعداد القوى العاملة. في نظام التعليم المهني المزدوج يتعلم المتدرب في الشركة وفي المدرسة المهنية في الوقت نفسه، ويكتسب خبرة عملية حقيقية منذ البداية، وتشارك الشركات وأصحاب العمل في تحديد احتياجات التدريب ومعايير المهن.
وتقدم سويسرا نموذجًا قريبًا أيضًا، حيث يجمع التعليم المهني بين الدراسة والتدريب العملي في الشركات، ويرتبط بشكل وثيق باحتياجات الاقتصاد.
والدرس المهم من هذه التجارب ليس نسخ أنظمتها، بل فهم الفكرة الأساسية: التعليم لا يُصمم بعيدًا عن سوق العمل ثم نأمل أن يجد الخريج وظيفة؛ بل يشارك سوق العمل في تشكيل التعليم نفسه.
أما عند اختيار الجامعة، فلا ينبغي أن يكون معيارنا اسم التخصص وحده. نحتاج إلى برامج معروفة وواسعة الأساس، ومفهومة لدى أصحاب العمل، وقابلة للتطور، ولها مسارات مهنية واضحة. كما ينبغي اختيار جامعة لها علاقة حقيقية بسوق العمل: شركات تشارك في تطوير المناهج، وتوفر تدريبًا ومشاريع حقيقية، وتفتح فرصًا للطلبة، وتؤثر ملاحظاتها فعلًا في البرامج.
وينبغي كذلك أن نسأل: أين يعمل خريجو البرنامج؟ ما الوظائف التي يشغلونها؟ وكم يستغرقون للحصول على أول وظيفة؟ وهل الشهادة معترف بها مهنيًا حيث يريد الخريج العمل؟
لكن لا ينبغي أيضًا أن نطارد الوظائف المطلوبة اليوم فقط. فالطالب سيعمل لعقود، والتكنولوجيا ستتغير، ولذلك يجب أن يجمع الاختيار بين الرغبة والقدرة والأساس العلمي واحتياجات السوق والمرونة المستقبلية.
وهنا مسؤولية صانع القرار والجامعة كبيرة: بدل أن يكون السؤال «ما التخصص الجديد الذي نستطيع استحداثه؟»، يجب أن يصبح السؤال: «ما القدرات التي نريد أن يمتلكها خريجونا عندما يتخرجون؟»
نحتاج إلى خريجين يستطيعون العمل اليوم، لكنهم يستطيعون أيضًا التعلم غدًا. نحتاج إلى جامعات مرتبطة بالصناعة، ومسارات مهنية تحظى بالاحترام، وتخصصات جامعية تمنح أساسًا قويًا بدل أن تربط مستقبل الخريج بتطبيق قد يتغير قبل تخرجه.
وللأسرة والخريج رسالة واحدة:
لا تختاروا تخصصًا لأن اسمه يبدو مستقبليًا. اختاروا تعليمًا يجعلكم قادرين على مواجهة المستقبل، حتى عندما تتغير أسماء وظائفه وأدواته.
فالمستقبل ليس اسم تخصص نعرفه اليوم؛ المستقبل هو القدرة على التعلم والتكيف عندما تتغير التخصصات والوظائف والتكنولوجيا
* رئيس جامعة روشستر الامريكية بدبي