د. عامر سبايلة : اللاحرب واللاسلم.. حين تتحول الأزمة الإيرانية إلى حرب استخبارية
لم تعد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة حرباً مباشرة، لكنها بالتأكيد لم تتحول إلى سلام. نحن أمام حالة يمكن وصفها بـ"اللاحرب واللاسلم"، حيث تتوقف العمليات العسكرية، بينما تبقى أدوات الصراع مفتوحة: الحصار الاقتصادي، والإنهاك الداخلي، والحرب الاستخبارية، والتهديد العسكري الدائم. واشنطن تبدو معنية بإبقاء الضغط على إيران وتعميق أزمتها الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على فائض القوة والجاهزية العسكرية، بما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى حرب استخبارية تجري تحت سقف وقف العمليات العسكرية.
لكن هذه الحرب الاستخبارية لا تستهدف إيران وحدها. فالولايات المتحدة وإسرائيل تبدوان معنيتين الآن بإنهاء ما تبقى من شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة، عبر تعميق الضغط على حزب الله من جهة، ومواصلة استهداف الحوثيين من جهة أخرى، وإعطاء الحكومة العراقية مساحة لإنهاء ملف الميليشيات والسلاح خارج الدولة. وفي هذا السياق يمكن فهم حالة الطوارئ الإيرانية والتحرك نحو العراق، بما في ذلك إرسال إسماعيل قاآني للتحذير من نزع سلاح الفصائل العراقية في هذا التوقيت.
وبذلك، وبدلاً من العودة مباشرة إلى حرب مواجهة مع إيران، تبدو المنطقة أمام مرحلة تسبق المواجهة المباشرة، يجري خلالها استكمال إضعاف أدوات طهران الإقليمية: حزب الله، والحوثيون، والميليشيات العراقية. وفي الوقت نفسه، يتحول الداخل الإيراني إلى مسرح لعمليات استخبارية واسعة، تستفيد من أزمة داخلية تتعمق على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية.
ومضيق هرمز يقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. إيران تستطيع تعطيل الملاحة ورفع كلفة المخاطر عبر الألغام والقوارب السريعة والمسيّرات والصواريخ، وهذا ما يفسر مخاوف شركات الملاحة والتأمين. لكن تعطيل الملاحة لا يعني السيطرة العسكرية على المضيق. فالولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأكبر الموجودة هناك، لكنها لا تستطيع بمجرد وجودها منع كل أشكال استهداف السفن. وهنا تظهر مفارقة مهمة: قوة أقل تستطيع تحقيق هدف محدود هو تعطيل الملاحة، بينما قوة أكبر لا تستطيع بسهولة تأمينها بالكامل.
والأهم أن واشنطن قد لا تكون مستعجلة لإنهاء هذه الحالة. فاستمرار أزمة هرمز يدفع العالم إلى الاعتماد عليها، ويعزز مطالبتها الدول بالمساهمة في تأمين الملاحة. إنها عملية إعادة صياغة للعلاقة مع الحلفاء والخصوم، وتحويل أزمة إقليمية إلى مسؤولية دولية تقودها الولايات المتحدة. وهذا يفسر أيضاً لماذا تتجاوز الأزمة حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية لتصبح اختباراً للعالم كله.
فروسيا تواجه ضغوطاً متزايدة، بينما لا تستطيع الصين تجاهل أزمة طويلة تهدد التجارة والطاقة العالمية. لكن استمرار الأزمة قد يخدم واشنطن من زاوية أخرى، عبر تسريع البحث عن بدائل لمضيق هرمز. فالحديث عن خطوط أنابيب ومسارات برية وربط الخليج بالأردن والبحر المتوسط، إضافة إلى مشاريع الربط بين الهند وأوروبا، يكتسب أهمية أكبر كلما طال اضطراب المضيق. العالم لا يستطيع أن يبني أمن الطاقة على ممر يمكن تعطيله لفترة طويلة، وبالتالي قد تتحول البدائل من مشاريع إستراتيجية إلى ضرورة واقعية.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات دونالد ترامب عن أن الرد سيكون "ألف مرة" إذا هاجمت إيران الولايات المتحدة لتؤكد أن واشنطن لا تريد إسقاط فكرة الخطر الإيراني من الحسابات. فإبقاء إيران باعتبارها تهديداً محتملاً للمصالح والأصول الأميركية يهيئ سياسياً ونفسياً لاحتمال عودة المواجهة، كما أن إبقاء الآلة العسكرية الأميركية وفائض القوة في المنطقة يحتاج إلى مبرر إستراتيجي مستمر.
وهنا تكمن خطورة "اللاحرب واللاسلم". فكلما تعمقت الأزمة داخل إيران، قد يجد النظام نفسه أمام خيار التصعيد الخارجي لإعادة إنتاج شرعيته، بينما تجد واشنطن في أي تصعيد مبرراً لاستعادة استخدام القوة. لذلك، قد لا تكون المرحلة الحالية نهاية الحرب، بل مرحلة إعداد لحرب أخرى؛ حرب يجري خوضها الآن بالاقتصاد والاستخبارات والضغط السياسي، قبل أن تحدد تطورات الداخل الإيراني ما إذا كانت ستبقى "لاحرباً ولا سلاماً"، أم تتحول مجدداً إلى مواجهة مباشرة.
ــ الغد