اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

نادية سعد الدين : ثمن العودة الميمونة!

نادية سعد الدين : ثمن العودة الميمونة!
أخبارنا :  

لطالما اتسمت كثير من الدعوات الغربية لإصلاح السلطة الفلسطينية بالانتقائية والانتهازية والنفعية، عبر دعم مالي مُسيس ومشروط بأجندات تخدم مصالحها المشتركة مع الكيان الصهيوني، بعيداً عن المصلحة الوطنية الفلسطينية، دون أن ينفي ذلك حيوية الاستحقاق الإصلاحي النابع من إرادة مُستقلة ومُوحدة، وليست مُنقسمة ورازحة تحت الاحتلال.

 

ولا تنسجم، غالباً، الدعوات الغربية مع المطالب الداخلية بإصلاح أداء السلطة وتحديد السلطات المُطلقة بيد الرئاسة والتي لم يتحقق منها سوى قدرٍ ضئيل. فكثيراً ما تغاضىت الجهات المانحة عنها واستمرت بضخ مساعدات مالية طائلة تم الاعتماد عليها في تأمين النفقات الإنشائية والتشغيلية للسلطة وتدعيم التوجه نحو اقتصاد السوق وتشجيع إنشاء المنظمات غير الحكومية، ليس لبناء مجتمع فلسطيني ديمقراطي، كما تدعي، قد يهدد ركائز المشروع الاستعماري، وفق العقلية الغربية الصهيونية، وإنما لإيجاد شرائح مجتمعية تعتمد عليها في تحسين ظروفها المعيشية، توطئة لتطويع إرادتها وتسهيل قبولها بتسوية سياسية وفق شروط الاحتلال الجائرة، أو هكذا يتخيلون.

وفي مرحلة تالية، تبنى الدعم الغربي مقولة «الحكم الصالح شرط ضروري لعملية السلام»، حينما وجد مصلحته في تعزيز المسار التفاوضي الفلسطيني – الصهيوني وصولاً للتسوية، فانهالت المشاريع الغربية لتقديم «النصائح» حول كيفية إصلاح أوضاع السلطة الفلسطينية ومواجهة التحديات، التي تُعد صنيعة الاحتلال. ولكن سرعان ما يتحول «النصح» إلى ضغط غربي صهيوني على الفلسطينيين للقبول «بشروط سلام» منقوص لا يلبي الحد الأدنى من حقوقهم الوطنية، تحت طائلة التلويح بوقف الدعم لميزانية سلطة لا تملك جيشاً ومُقيدة أمنياً، وفق اتفاق «أوسلو»، ومع ذلك، يقضم الأمن النسبة الأكبر منها لتأمين مستلزمات التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال.

وغالباً ما ترتبط دعوات الإصلاح بمكافحة الفساد؛ وهي أزمة لا شك ممتدة منذ تشكيل السلطة الفلسطينية، عبر التشبيك بين الشرائح المُجتمعية وفق علاقات الولاء والارتباطات الشخصية، وربط النخب السلطوية بالنخب المحلية، ضمن علاقة توزيع المصالح والأدوار والمناصب لضمان إدامة علاقات السيطرة على المجتمع الفلسطيني، فضلاً عن اعتماد مبدأ التمثيل، الحزبي أو المناطقي أو العائلي.. في عملية توزيع الموارد والمقاعد الوزارية والوظائف العليا، لكسب قبول مجتمعي بها، دون النظر لتأثيراتها القاتمة.

وفي ظل بيئة مُحتلة تعاني سيطرة الفصيل الواحد على السلطة وتهميش منظمة التحرير وتداخل السلطات وتضخم القطاع الحكومي؛ برزت المحسوبية بشكل فاضح عبر فئة تحظى بنوع من مراتبية غير رسمية لبنيتها في الجهاز البيروقراطي الحكومي والأجهزة الأمنية، وأدى الإفراط في منح رتبة «المديرين العامين» إلى تشكيلهم طبقة اجتماعية جديدة مثيرة للجدل والاتهامات، وسط استغلال البعض لمناصبهم وعلاقتهم بالسلطة لتحقيق مكاسب شخصية، سُهل لها صهيونياً، أحياناً، عن طريق إقامة شراكات ومنح وكالات، لا سيما بين أوساط المتقلدين مناصب تتيح الاتصال بهم أو بالدول المانحة.

ورغم امتداد الأزمة لفترات مضت؛ إلا أن الجهات المانحة تربط أحياناً ملف الفساد بالإصلاح، وتجعلهما أداة ضغطٍ سياسي على السلطة الفلسطينية، إذ إن تدفق الأموال لم يتوقف، وكان آخره الإعلان عن دعم بقيمة مليار و85 مليون دولار في يوليو الماضي، تماشياً مع سياسة الكيان المُحتل في الإبقاء على التبعية الاقتصادية والسياسية الفلسطينية، ونظير الخشية الغربية من تأثير وقف الدعم لجهة زعزعة وضع السلطة أو انهيارها، وهو خيار غير مقبول بالنسبة لها.

أما اليوم؛ تتجدد مطالب الغرب بالإصلاح من باب غزة هذه المرة، عند ربطه كمقدمة لعودة السلطة الفلسطينية لإدارة القطاع وحكمه من جديد، أسوة بعامي 1955 و2007. ويبدو أن السلطة لا تمانع ذلك؛ بل وجهت رسائل بأهمية دورها للحفاظ على مصلحة الشعب الفلسطيني، وحددت موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وسط معارضة تطالب بإنهاء الانقسام أولاً، وتجاوزت تحفظ كثيرين داخل حركة «فتح» من توليها زمام أمور غزة بعدما غابت عنها أثناء الحرب، بما قد يزيد النقمة الشعبية عليها.

إلا أن السلطة الفلسطينية تُدرك جيداً أن عملية «طوفان الأقصى» وضعت مستقبلها واستمراريتها على مفترق طرق، نظير محدودية القبول الشعبي بها، وعجزها عن تجديد نفسها، وضعفها في مواجهة جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الذي بات يرى في المقاومة نموذجاً للقيادة والتحرر وحماية الحقوق الوطنية. وقد ترى أن حل ذلك في عودتها الميمونة لغزة!..

ــ الغد


مواضيع قد تهمك