م. عامر البشير : حين يتأخر بناء الأسرة
كيف يتحول تأخر تكوين الأسرة من ظاهرة مجتمعية إلى قضية تمس التنمية ومستقبل الدولة
رؤية تنموية لفهم أثر تراجع تكوين الأسر على مستقبل المجتمعات
قد يبدو الزواج قراراً شخصياً يخص فردين، لكنه في جوهره أحد أكثر القرارات تأثيراً في مستقبل المجتمعات والدول. فمن الأسرة تبدأ دورة الحياة، ويتشكل الإنسان، وتتجدد الأجيال، ويتكون رأس المال البشري الذي تقوم عليه التنمية وتزدهر به الحضارات. لذلك لا تُقاس الأمم بما تشيده من أبراج شاهقة أو بما تحققه من مؤشرات اقتصادية فحسب، بل بما تنجح في بنائه من إنسان.
فالإنسان لا يولد مواطناً مكتملاً، وإنما تبدأ ملامح شخصيته بالتشكل داخل الأسرة، حيث يتعلم اللغة، ويكتسب القيم، ويتعرف إلى معنى الانتماء والمسؤولية. ولهذا لم تكن الأسرة عبر التاريخ مجرد رابطة اجتماعية، بل كانت الخلية الأولى للعمران، ومنها يبدأ بناء المجتمع والدولة.
ولم يختلف الفكر الإنساني كثيراً حول هذه الحقيقة؛ فقد رأى أرسطو أن المدينة لا تقوم إلا على أسر متماسكة، وربط ابن خلدون ازدهار العمران بقوة الاجتماع الإنساني، بينما لخّص القرآن الكريم هذه الرؤية بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فالسكينة التي تنشأ داخل البيت لا تبقى شأناً خاصاً بأفراده، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، لأنها تصنع بيئة مستقرة ينمو فيها الإنسان.
ومن هنا، فإن تراجع قدرة الشباب على تأسيس الأسرة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه قضية اجتماعية محدودة، وإنما باعتباره مؤشراً تنموياً يستحق الاهتمام؛ فآثاره لا تتوقف عند الأفراد، بل تمتد إلى الاقتصاد، والديموغرافيا، والاستقرار المجتمعي، وقد تبقى آثارها لعقود.
الأرقام… قراءة تتجاوز الإحصاءات
تكشف نتائج المجلس الأعلى للسكان، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، عن مؤشرات تستحق التوقف. فهناك نحو 400 ألف شاب أردني ضمن الفئة العمرية (25–39 عاماً) لم يسبق لهم الزواج، رغم أن هذه المرحلة تمثل السنوات الأكثر ارتباطاً بتكوين الأسرة.
غير أن الأرقام تحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ تؤكد الاستطلاعات المحلية والدولية أن الرغبة في الزواج ما تزال مرتفعة. فمعظم الشباب ينظرون إلى الأسرة باعتبارها مشروع الحياة الطبيعي، ويرون في إنجاب الأطفال مصدراً للاستقرار والمعنى. كما أظهر استطلاع شمل 73 دولة أن أكثر من ثلثي الشباب يرغبون في الزواج، إلا أنهم يؤجلونه انتظاراً لاستقرار اقتصادي ووظيفي يمنحهم القدرة على الإقدام عليه.
وتشير البيانات أيضاً إلى أن 27% من حالات الطلاق المسجلة في الأردن تقع قبل الدخول، أي قبل أن تبدأ الحياة الزوجية فعلياً. ورغم أن هذه النسبة لا تمثل جميع عقود الزواج، فإنها تكشف أن التحدي لا يقتصر على اتخاذ قرار الزواج، بل يمتد إلى القدرة على استكماله في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
هذه المؤشرات تستحق قراءة هادئة. فهي لا تعكس تراجعاً في مكانة الأسرة داخل المجتمع، ولا تبدلاً في منظومة القيم، بقدر ما تكشف اتساع الفجوة بين ما يريده الشباب وما يستطيعون تحقيقه. إنها، في جوهرها، فجوة بين الرغبة والقدرة.
عندما تصبح الأسرة قضية تنموية
قد يكون من السهل تفسير الظاهرة من زاوية اجتماعية أو أخلاقية، لكن هذا التفسير يبقى قاصراً عن الإحاطة بحجمها الحقيقي. فالمؤشرات تقول بوضوح إن غالبية الشباب لا يعزفون عن الزواج، وإنما يصطدمون بواقع اقتصادي يجعل القرار الطبيعي أكثر صعوبة.
فالشاب يدخل سوق العمل متأخراً، وقد يواجه البطالة أو دخلاً لا يواكب تكاليف المعيشة، بينما تستمر أسعار السكن في الارتفاع وتتزايد متطلبات الزواج عاماً بعد عام. وهكذا يجد نفسه مطالباً بتحقيق استقرار اقتصادي كامل قبل أن يبدأ الخطوة التي يفترض أن تكون بداية هذا الاستقرار.
وهنا تظهر المفارقة؛ فهناك فرق بين مجتمع فقد إيمانه بالأسرة، ومجتمع ما تزال الأسرة فيه قيمة راسخة، لكنه يواجه عوائق تحول دون الوصول إليها. في الحالة الأولى تكون الأزمة ثقافية، أما في الثانية فهي تنموية بامتياز، ولا تُعالج إلا بسياسات اقتصادية واجتماعية تزيل أسباب التعثر.
ولا تقتصر المسؤولية على الظروف الاقتصادية وحدها، فالمجتمع أسهم بدوره، من حيث لا يقصد، في رفع كلفة الزواج. فقد تضخمت المهور، واتسعت دائرة الكماليات، وتحولت بعض حفلات الزواج إلى مساحة للمنافسة الاجتماعية أكثر منها مناسبة لبداية حياة جديدة. ومع مرور الوقت أصبح كثير من الشباب يخشى تكلفة يوم واحد أكثر مما يتطلع إلى حياة تمتد لعشرات السنين.
وحين يرفع المجتمع سقف التوقعات إلى مستويات يصعب بلوغها، يصبح البسيط استثناءً، ويتحول الزواج من بداية طبيعية للحياة إلى مشروع مؤجل بانتظار ظروف مثالية قد لا تأتي أبداً.
وربما تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تتسلل ببطء. فهي لا تُحدث أزمة مفاجئة تلفت الانتباه، وإنما تتراكم آثارها عاماً بعد عام، حتى تتحول من قرارات فردية متفرقة إلى ظاهرة عامة يصعب احتواء نتائجها لاحقاً.
لهذا فإن معالجة القضية لا تبدأ بتوجيه اللوم إلى الشباب، ولا بمقارنة واقعهم بواقع أجيال سابقة اختلفت ظروفها الاقتصادية والاجتماعية، وإنما بفهم التحولات التي يعيشها المجتمع، والعمل على إزالة العوائق التي تؤخر تأسيس الأسرة.
من الأسرة إلى الدولة
قد يبدو تأخر الزواج شأناً يمس الفرد في المقام الأول، لكن أثره لا يتوقف عند هذا الحد. فكل أسرة يتأخر تكوينها تعني تأخر ميلاد أسرة جديدة، وانخفاضاً تدريجياً في معدلات الإنجاب، وتغيراً في التركيبة السكانية، وانعكاسات تمتد إلى الاقتصاد وسوق العمل والمالية العامة.
ومع استمرار انخفاض معدلات تكوين الأسر، تتجه المجتمعات تدريجياً نحو الشيخوخة، فتتقلص قاعدة القوى العاملة، وترتفع أعباء الرعاية الصحية والتقاعد والخدمات الاجتماعية. وعند هذه المرحلة، لا يعود الزواج مجرد قضية اجتماعية، بل يصبح جزءاً من معادلة التنمية واستدامة الدولة.
ولهذا فإن الاستثمار في الأسرة ليس إنفاقاً اجتماعياً بالمعنى التقليدي، بل استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري. فالإنسان هو المورد الاستراتيجي الأول لأي دولة، والأسرة هي البيئة الأولى التي يتشكل فيها هذا المورد، وتُبنى فيها قيمه وقدراته وانتماؤه.
إن الدول التي تنظر إلى الأسرة بهذه الزاوية لا تدير ملفاً اجتماعياً فحسب، بل تؤسس لمستقبلها الاقتصادي والديموغرافي، وتستثمر في العنصر الذي يصنع التنمية قبل أن تصنعه أي بنية تحتية أخرى.