اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. مهند النسور : الثقة… أساس النظام الصحي

د. مهند النسور : الثقة… أساس النظام الصحي
أخبارنا :  

قد تمتلك الدولة مستشفيات متطورة، وكوادر صحية مؤهلة، وأحدث التقنيات الطبية، لكن هذه المقومات قد لا تحقق أهدافها إذا غابت الثقة. فالثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل هي أحد أهم أصول الصحة، والعامل الذي يربط مقدم الخدمة الصحية، ووزارة الصحة، والمجتمع في منظومة واحدة هدفها حماية صحة الإنسان.

 

وتُبنى الثقة على الصدق، والشفافية، والكفاءة، والعدالة، والاحترام المتبادل. وهي تبدأ من العلاقة المباشرة بين الطبيب أو الممرض والمراجع، ثم تمتد لتشمل ثقة المواطن بالمؤسسات الصحية، وبما تصدره من معلومات وتوصيات وقرارات. وكلما ازدادت هذه الثقة، ارتفعت قدرة المجتمع على الاستجابة للبرامج الصحية والالتزام بالإجراءات الوقائية.

وقد أثبتت التجارب العالمية، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، أن نجاح الاستجابة الصحية لم يعتمد على الإمكانات الطبية وحدها، بل على مستوى الثقة بين المجتمع والمؤسسات الصحية. فالدول التي تميزت بالشفافية، وسرعة التواصل، وتقديم معلومات دقيقة، استطاعت تحقيق التزام أكبر بالإجراءات الوقائية وبرامج التطعيم، بينما واجهت دول أخرى تحديات بسبب ضعف الثقة وانتشار الشائعات والمعلومات المضللة.

ويقع على مقدم الخدمة الصحية دور محوري في بناء هذه الثقة. فحسن الاستماع للمريض، واحترام كرامته، وشرح حالته وخياراته العلاجية بوضوح، والالتزام بأخلاقيات المهنة، كلها ممارسات بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا في تعزيز ثقة الفرد بالنظام الصحي بأكمله.

وفي المقابل، يتحمل القطاع الصحي و على رأسه وزارة الصحة مسؤولية ترسيخ الثقة من خلال الشفافية، والإفصاح عن المعلومات، والاعتراف بالتحديات، والتواصل المستمر مع المواطنين، وإشراكهم في تصميم البرامج الصحية وتقييمها. فالثقة لا تُفرض بالقرارات، وإنما تُكتسب بالمصداقية والالتزام والاستمرارية.

كما يتحمل المجتمع مسؤولية موازية تتمثل في الاعتماد على المعلومات الموثوقة، واحترام الكوادر الصحية، ومكافحة الشائعات، والمشاركة الإيجابية في برامج الوقاية والتطعيم وتعزيز الصحة. فالثقة ليست مسؤولية طرف واحد، بل علاقة متبادلة تقوم على التعاون والاحترام.

وفي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت الثقة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمعلومة الخاطئة قد تنتشر خلال دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت وجهد كبيرين. ولهذا، فإن بناء الثقة أصبح مسؤولية مشتركة بين القطاع الصحي، والإعلام، والجامعات، والمدارس، ومؤسسات المجتمع المدني.

إن الاستثمار في الثقة هو استثمار في صحة المجتمع. فهي تزيد الإقبال على الخدمات الوقائية، وتعزز الالتزام بالعلاج، وترفع كفاءة الاستجابة للطوارئ، وتدعم استدامة البرامج الصحية. ولذلك، فإن نجاح أي نظام صحي لا يُقاس فقط بما يملكه من موارد، بل بما يحظى به من ثقة. فالثقة ليست نتيجة للصحة فحسب، بل هي أحد أهم أسباب نجاحها واستمرارها.


مواضيع قد تهمك