م. هيثم الرواجبة : الذكاء الاصطناعي وVibe Coding
في أقل من ثلاث سنوات، تغير المشهد التقني العالمي بصورة لم يشهدها العالم منذ انطلاق شبكة الإنترنت. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد الموظف على إنجاز عمله بشكل أسرع، بل أصبح شريكاً في اتخاذ القرار، ووسيلة لتطوير البرمجيات، وإدارة المشاريع، وتحليل البيانات، وكتابة التقارير، وحتى خدمة العملاء.
ومع ظهور مفهوم جديد يعرف باسم Vibe Coding، دخل قطاع البرمجيات مرحلة غير مسبوقة، حيث أصبح بإمكان شخص واحد، باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إنجاز أعمال كانت تتطلب في السابق فريقاً كاملاً من المطورين والمهندسين.
هذه ليست مبالغة إعلامية، بل واقع بدأت تعيشه أكبر الشركات العالمية، وهو واقع يفرض على الأردن سؤالاً مصيرياً: هل نحن مستعدون لسوق عمل يتغير بهذه السرعة؟
ما هو Vibe Coding؟
مصطلح Vibe Coding أصبح من أكثر المصطلحات تداولاً في قطاع التكنولوجيا خلال العامين الماضيين. ويعني ببساطة أن يصف المطور أو المهندس ما يريد بناءه باللغة الطبيعية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي كتابة الكود، وتصميم قاعدة البيانات، وإنشاء واجهات المستخدم، وتصحيح الأخطاء، وحتى اقتراح أفضل الحلول الهندسية.
أي أن دور المبرمج لم يعد يقتصر على كتابة الأكواد، بل تحول تدريجياً إلى دور المصمم والمراجع والموجّه للذكاء الاصطناعي.
وتشير أبحاث حديثة من Microsoft Research إلى أن Vibe Coding لم يعد مجرد تجربة، بل أصبح أسلوب عمل جديدا يغيّر طريقة تطوير البرمجيات والتعاون داخل فرق الهندسة البرمجية.
من الخيال إلى الواقع
قبل سنوات قليلة، كانت الشركات توظف عشرات المطورين لبناء نظام واحد.
أما اليوم، فأصبح فريق صغير يمتلك خبرة في الذكاء الاصطناعي قادراً على إنجاز نفس المشروع خلال وقت أقصر وبتكلفة أقل.
وهذا التحول بدأ ينعكس مباشرة على قرارات التوظيف.
شركة IBM أعلنت أنها بدأت أتمتة عدد من الوظائف الإدارية والروتينية، مع إعادة توجيه استثماراتها نحو وظائف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
أما Salesforce، فقد أكدت أن أدوات الذكاء الاصطناعي رفعت إنتاجية فرقها، الأمر الذي انعكس على خطط التوظيف وإعادة هيكلة بعض الأقسام.
وفي Uber، أعلنت الشركة تقليص وظائف في خدمة العملاء بالتزامن مع اعتماد أكبر على حلول الذكاء الاصطناعي.
كما تبنت شركات مثل Wix وGitLab وCloudflare وOracle وBlock وAtlassian استراتيجيات مشابهة، ربطت فيها بين تبني الذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة القوى العاملة.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي هو السبب الوحيد وراء جميع عمليات التسريح؛ فهناك عوامل اقتصادية وإعادة هيكلة أيضاً، لكن عدداً متزايداً من الشركات يعلن صراحة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات التوظيف.
وفق تقرير Future of Jobs 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن سوق العمل العالمي يشهد أكبر عملية إعادة تشكيل منذ عقود.
ويتوقع التقرير أنه بحلول عام 2030 سيتم خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة، مقابل اختفاء أو تحول 92 مليون وظيفة نتيجة التطورات التقنية والاقتصادية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن ملايين الأشخاص سيضطرون إلى إعادة تأهيل مهاراتهم لمواكبة هذا التحول.
أما Goldman Sachs فتشير تقديراتها إلى أن نحو 300 مليون وظيفة حول العالم ستكون معرضة بدرجات متفاوتة للتأثر بالأتمتة والذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، مع اختلاف حجم التأثير بين القطاعات والدول.
هذه الأرقام لا تعني اختفاء جميع هذه الوظائف، لكنها تعكس حجم التحول الذي يمر به الاقتصاد العالمي.
ماذا عن المبرمجين؟
كثيرون يعتقدون أن مهنة البرمجة ستختفي.
والحقيقة أكثر تعقيداً.
فالطلب على المبرمجين لن يختفي، لكنه سيتغير.
الشركات لم تعد تبحث عن شخص يكتب الكود فقط، بل عن مهندس يفهم احتياجات العميل، ويصمم الأنظمة، ويعرف كيف يوجه الذكاء الاصطناعي، ويتحقق من جودة النتائج، ويحافظ على أمن الأنظمة واستقرارها.
بمعنى آخر، انتهى عصر "كاتب الأكواد”، وبدأ عصر "مهندس الحلول”.
الأردن يعد من الدول التي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء قطاع تقني واعد، يعتمد على شركات البرمجيات، وخدمات التعهيد (Outsourcing)، والعمل الحر، ومراكز خدمة العملاء، وتصدير الخدمات الرقمية.
لكن هذه القطاعات نفسها تعد من أكثر القطاعات عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي.
فإذا أصبحت شركة أجنبية تستطيع إنجاز مشروع كامل بخمسة مهندسين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بدلاً من ثلاثين مهندساً، فمن الطبيعي أن ينخفض الطلب على التوظيف التقليدي، وأن تصبح المنافسة العالمية أكثر شراسة.
وقد يجد الخريجون الجدد أنفسهم أمام سوق عمل مختلف تماماً عن ذلك الذي درسوا من أجله.
هل سترتفع البطالة؟
لا يمكن الجزم بذلك، لكن المؤشرات تستحق التوقف عندها.
إذا استمر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بنفس الوتيرة الحالية، فقد تواجه الدول التي تعتمد على تصدير الخدمات التقنية تحديات حقيقية، خصوصاً إذا لم تستثمر بسرعة في تطوير مهارات القوى العاملة.
وفي الأردن، حيث تشكل فئة الشباب النسبة الأكبر من الداخلين إلى سوق العمل سنوياً، فإن أي انخفاض في الطلب على الوظائف التقليدية قد يزيد من صعوبة حصول الخريجين على فرص عمل مناسبة، ما لم تتغير منظومة التعليم والتدريب بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الرقمي الجديد.
الفرصة لا تزال قائمة
ورغم هذه التحديات، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل.
فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف فقط، بل يخلق أيضاً وظائف جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات، مثل:
مهندس الذكاء الاصطناعي.
مهندس بناء الوكلاء الذكيين (AI Agents).
مهندس هندسة الأوامر (Prompt Engineering).
مهندس البيانات.
مختص حوكمة الذكاء الاصطناعي.
مهندس الأمن السيبراني.
مهندس تكامل الأنظمة الذكية.
كما تشير دراسات اقتصادية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية ويولد فرص عمل جديدة في القطاعات التي تستخدمه لتعزيز أداء الإنسان، وليس لاستبداله بالكامل.
ماذا يحتاج الأردن؟
إذا أراد الأردن الحفاظ على مكانته كمركز إقليمي للخدمات التقنية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تحركاً سريعاً على عدة مستويات.
فالجامعات بحاجة إلى تحديث مناهجها لتواكب التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، ومراكز التدريب مطالبة بالتركيز على المهارات المستقبلية بدلاً من الاكتفاء بتعليم البرمجة التقليدية، كما أن الشركات مطالبة بالاستثمار في إعادة تأهيل موظفيها بدلاً من انتظار أن تصبح مهاراتهم خارج المنافسة.
لم يعد كافياً تعليم البرمجة بالشكل التقليدي. بل يجب أن تتجه الجامعات ومراكز التدريب إلى تدريس:
هندسة الأوامر (Prompt Engineering).
بناء وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents).
التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي وحوكمتها.
كما يجب دعم الشركات الأردنية لتبني الذكاء الاصطناعي بدلاً من مقاومته، مع الاستثمار في إعادة تأهيل الموظفين حتى لا يتحول التحول الرقمي إلى مصدر دائم لفقدان الوظائف.
وفي الوقت نفسه، تحتاج السياسات الحكومية إلى تشجيع الابتكار وريادة الأعمال في مجالات الذكاء الاصطناعي، حتى لا يكون الأردن مجرد مستهلك لهذه التكنولوجيا، بل منتجاً ومصدراً لها.
كلمة أخيرة
الثورات الصناعية لا تنتظر أحداً.
كما غيّرت الكهرباء شكل الصناعة، وغيّر الإنترنت شكل التجارة، يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليعيد رسم مستقبل العمل.
التحدي الحقيقي ليس في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في مدى استعدادنا له.
فالدول التي ستنجح في الاستثمار بالإنسان، وإعادة تأهيله، وتطوير مهاراته، ستكون الرابح الأكبر في الاقتصاد الرقمي القادم.
أما الدول التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد موجة عابرة، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام سوق عمل تغير بالكامل، بينما بقيت أدواتها التعليمية والاقتصادية في مكانها.
ويبقى السؤال الأهم: هل ننتظر حتى تصل آثار هذه الثورة إلى سوق العمل الأردني، أم نبدأ من اليوم في الاستعداد لها؟
ممثل قطاع الاتصالات و تكنولوجيا المعلومات في غرفة تجارة الاردن