عماد عبد الرحمن : بين الرهانات والحسابات والحسم
تبدو المنطقة في حالة ضبابية تتغير فيها المعطيات والأحداث بين ليلة وضحاها، يمكن أن تنام وأنت تشعر أن الحرب ستشتعل غدا، وفي نفس الوقت تصحو في اليوم التالي على اعلان تهدئة وقرار بإستبعاد الحرب وإعطاء مهلة للتفاوض، هذا ما حصل أمس بالضبط، إذ ظهر جلياً ان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هو صاحب القرار الأول والحاسم في تحديد مجريات الأمور وتحديد مصير هذه المنطقة المنكوبة من العالم.
هذه الحال، تجعل دول المنطقة وشعوبها ومقدراتها تعيش حالة من القلق الاستراتيجي واللايقين، في ظل تداخل الملفات الرئيسية فيها وهي: مستقبل المواجهة مع إيران، وترتيبات اليوم التالي للحروب في غزة، ولبنان والعراق، والعلاقة مع الدولة الأقوى في العالم الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ويبدو أن هذه الملفات لم تعد تناقش بصورة منفصلة، بل باتت تشكل منظومة واحدة تؤثر في مستقبل المنطقة السياسي والأمني.
الملف الإيراني يبرز بإعتباره الهاجس الأكثر حضورا في النقاشات على مستوى صناعة القرار في المنطقة، فبينما تؤشر بعض الإجراءات مثل التحذيرات الأمريكية الأخيرة لرعاياها الى انها تأتي في إطار ممارسة ضغوط نفسية وسياسية على طهران، فإن تقديرات أخرى تحذر من تضاؤل الفرصة المتاحة لتوجيه ضربة جديدة لإيران، في ظل تراجع الحماسة الأمريكية لخوض مواجهة عسكرية مفتوحة، في وقت تضغط فيه اسرائيل على واشنطن من أجل إستئناف الحرب، وهي تعلم انها لوحدها لا تستطيع مواجهة طهران، وتحتاج لدعم وتغطية الحليف الأمريكي عسكريا وسياسيا.
في المقابل، يعود ملف غزة ليفرض نفسه باعتباره التحدي الأكثر تعقيدا، من خلال المبادرة المطروحة لوقف الحرب، والتي تتضمن تشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراط، وترتيبات أمنية جديدة، وخطة تدريجية للتعامل مع سلاح حركة حماس، بغض النظر عن الشعارات التي رفعتها إسرائيل منذ بداية الحرب "النصر الكامل".
الأمر الأكثر أهمية في الإتفاق الأخير هو ربط تنفيذ الاتفاق بمسار سياسي أوسع يعيد الحديث عن الدولة الفلسطينية، وهو ما يمثل تطورا يثير جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، مع التخوف من أن حركة حماس قد تعيد إنتاج نفوذها السياسي تحت غطاء الإدارة المدنية الجديدة، خصوصاً مع الضغوط المتزايدة على تل أبيب بوقف عملياتها العسكرية في غزة، وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية للقطاع، ووقف هجمات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، خصوصا مخيمات الضفة الغربية، وما قد ينجم من تبعات قانونية دولية على إجراءات ترحيل سكان المخيمات من مساكنهم، إضافة الى الإنتقادات الداخلية لأداء أجهزة الأمن الإسرائيلية.
في المحصلة، لم يعد الخيار العسكري هو الحاسم في المنطقة بعد سلسلة حروب لم تجلب الأمن للإسرائيليين، بل على العكس، هرع سكانها الى الملاجئ ولأيام طويلة خلال الحروب، فالخيار الأسلم بالنسبة للكثيرين، القبول بتسويات سياسية بإشراف ورعاية أمريكية، خصوصا أن كلف وفواتير الحرب أصبحت مكلفة على كافة المستويات الأمنية والسياسية والدبلوماسية، مع إقتراب الإستحقاقات الإنتخابية، فأن أي تصعيد عسكري أو تقدم على صعيد التسوية السلمية سينعكس مباشرة على مستقبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي بالمناسبة الأكثر تطرفاً وتنكيلا بالشعب الفلسطيني، وعلى فرص العودة للحكم في إسرائيل.
ــ الراي