محمد يونس العبادي : حق الرد… ووكلاء إيران
مرة أخرى، يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توجيه ضربة كبيرة لإيران، تحت وطأة ضغوط إقليمية، بحسب ما يُتداول، لتعود معها أحاديث المفاوضات إلى الواجهة. جولة جديدة من الحوار لا أحد يستطيع الجزم بأنها ستقود إلى اتفاق، أو أنها ستكون سوى محطة أخرى في مسلسل المراوحة الذي طال أمده.
لكن ما يجري على الأرض لا ينتظر نتائج التفاوض. فطهران، التي تدرك أن أي اتفاق محتمل قد يفرض عليها أثمانًا سياسية وأمنية، تبدو منشغلة بمحاولة صناعة وقائع جديدة قبل الجلوس إلى الطاولة. والطريقة المفضلة لديها ليست المواجهة المباشرة، بل تحريك وكلائها في المنطقة، واستخدام الأراضي العربية، ولا سيما العراق، منصة لإرسال الرسائل واستفزاز دول الجوار، مع الاحتفاظ بمسافة تتيح لها إنكار المسؤولية أو التهرب من تبعاتها.
إلا أن هذه المعادلة لم تستمر طويلًا. فالضربة السعودية التي استهدفت إحدى الميليشيات في العراق، وما تبعها من رسائل وتحذيرات إقليمية واضحة، رسمت حدودًا جديدة للاشتباك، وأوصلت رسالة مفادها أن العبث بأمن المنطقة لن يبقى بلا ثمن، وأن سياسة استخدام الوكلاء لم تعد توفر الحصانة التي اعتادت طهران الاحتماء بها.
لقد مارست دول المنطقة، وفي مقدمتها الأردن، أقصى درجات ضبط النفس خلال السنوات الماضية. لم يكن ذلك ضعفًا أو عجزًا، بل رهانًا على أن المسار السياسي قد ينجح في تجنيب المنطقة جولة جديدة من الصراعات، وإنهاء حالة الاستنزاف التي أنهكت الجميع سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. لكن ضبط النفس لا يمكن أن يتحول إلى سياسة مفتوحة بلا سقف، ولا يجوز أن يُقرأ باعتباره قبولًا باستمرار الاعتداءات أو التسليم بالأمر الواقع.
فالرد على أي اعتداء حق مشروع تكفله القوانين الدولية، وهو حق لا ينتقص من رغبة الدول في السلام، بل يؤكد مسؤوليتها في حماية سيادتها وأمنها. ولا يمكن أن تبقى المنطقة رهينة مشروع يقوم على تصدير الأزمات، وتغذية الميليشيات، وابتزاز الدول عبر أدوات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة والقانون.
اللافت أن الخطاب الإيراني تجاه دول الجوار، وتحديدًا الأردن، ما يزال يدور في الحلقة ذاتها؛ لغة جامدة تستند إلى شعارات تجاوزها الزمن، وإلى محاولة دائمة لصناعة أوراق نفوذ تُستخدم على طاولة المفاوضات. وفي الوقت نفسه، تواصل طهران تسويق رواية المظلومية، رغم أن سجل تدخلاتها في الدول العربية بات كفيلًا بإسقاط هذه السردية أمام الرأي العام العربي.
فما حدث في سوريا، وما يجري في العراق ولبنان واليمن، ليس مجرد أحداث متفرقة، بل فصول متصلة من مشروع إقليمي دفع العرب أثمانه من أمنهم واستقرارهم واقتصاداتهم. لذلك، لم يعد ممكنًا التعامل مع هذه السياسات بوصفها خلافًا سياسيًا عابرًا، بل باعتبارها تحديًا مباشرًا لأمن المنطقة وسيادة دولها.
والدرس الذي أكدته التطورات الأخيرة واضح؛ الردع هو اللغة التي تعيد ضبط الحسابات. فعندما تواجه الميليشيات برد حاسم، تتراجع مغامراتها، أما حين يغيب الرد، فإنها تتمدد وتختبر حدودًا جديدة. ومن هنا، فإن أي اتفاق أميركي–إيراني لن يكون مستدامًا إذا اقتصر على الملف النووي، وتجاهل هواجس الدول العربية وحقها في الأمن والاستقرار.
ختامًا، لا أحد في المنطقة يبحث عن الحرب، والأردن كان من أكثر الدول تمسكًا بالحكمة وتغليب الحلول السياسية. لكن الحكمة لا تعني التساهل مع الاعتداءات، ولا تعني القبول بتحويل الدول العربية إلى ساحات لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات.
اليوم، تقف المنطقة أمام معادلة لا تحتمل التأويل: إما اتفاق حقيقي يكبح المشروع الإيراني ويضع حدًا لسياسة الوكلاء والميليشيات، وإما أن تفرض دول المنطقة قواعد اشتباك جديدة دفاعًا عن سيادتها وأمنها. فالصبر فضيلة، لكنه ليس سياسة أبدية، وضبط النفس قيمة، لكنه لا يلغي حق الرد عندما تصبح السيادة هدفًا للاعتداء.