د. علي عبد السلام المحارمة : مسابقة كنغز أكاديمي للغة العربية
لقد خضنا من التجارب والاطّلاع على الحضارات والثقافات المختلفة ما يسمح لنا بالحكم أن الأمة التي ترتقي تصيغ رؤيتها الراسخة الناجحة من خلال خلق مزيج متجانس لهويتها يجمع بين متطلبات الحداثة والمعاصرة ومسايرة التقنية من جانب، وبين العراقة والأصالة وركائز التميّز الثقافي والحضاري للهوية من جانب آخر.
ولطالما كنا نكرر دعوتنا بأن هذه المعادلة لا تتطلب البتة الاتكاء على مفاهيم الصراع الصفري الإقصائي؛ بحيث تكون فكرة ناقصة تلك التي تتبنى الدعوة لقيام حضارة عرجاء تعتمد على هوية تقوم على تقليد الأجنبي والاعتماد على كل ما هو مستقدم من الغرب أو من سواه تقنياً وثقافياُ، فإنها دعوة لتفريغ الحضارة العربية الإسلامية من مناقبها وقيّمها وحضورها التاريخي المهيب.
وكذا الدعوة للانغلاق ورفض كل ما هو آتٍ من الخارج بذريعة أنه لا ينسجم مع هويتنا وحضارتنا، والاعتماد فقط على مخرجات الحضارة العربية الإسلامية بوصفها الحضارة الأسمى والأرقى عبر العصور دون الالتفات لإسهامات الحضارات الأخرى السابقة والحالية واللاحقة؛ فهي دعوة موتورة ومبتورة في آنٍ معاً.
قبل أيام دعتني ابنتنا المبدعة جود عدنان الشاعر لحضور مشاركتها في مسابقة كنغز أكاديمي للغة العربية، وقد أبهجني كثيراً اهتمام هذه المدارس ذات الطابع العصري، والتي تسعى لتخريج طلبة قادرين على استيعاب معطيات العصر والتأثير بها وفقاً للانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، وفهمت أن هذه المسابقة تعقد للموسم الرابع على التوالي.
ولشد ما أبهرني ذلك الرقي في ابداع ولغة وحضور طلبة الأكاديمية وكادرها الرائع من المعلمين والمعلمات وهم يتسابقون للترحيب بضيوفهم من المبدعين المتسابقين أمثال جود وذويهم ومعلميهم ومعلماتهم من المدارس والمحافظات المختلفة، وكأن لسان حالهم كان يقول لنا: أن الأكاديمية رغم طابعها العصري فلن تتخلى عن هويتها الحضارية العربية الإسلامية؛ واللغة العربية هي أهم وعاء لهذه الحضارة.
وقد كنتُ أمني النفسَ ومعي بعض الحضور من النقاد والمحكمين بأنه حبذا لو تم في الموسم القادم لهذه المسابقة أن يتم دعوة أعداد أكبر من طلبة الأكاديمية ليطّلعوا ويشاركوا في أصناف المسابقة المختلفة شعراً ونثراً، وذلك بغية إضافة مزيد من الشغف لديهم تجاه لغتهم الأم، وكذلك ليقين الجميع أن مثل هؤلاء الطلبة سيكون لهم شأن ومكانة في الميادين كافة، وليكن من بينها ميدان اللغة العربية ورونق جمالها التي لن يخبو بريقها عبر الدهر.
شكراً لكنغز أكاديمي على هذه الأفق، ومبارك لجود ولزميلاتها وزملائها المشاركين كافة.