م . سعيد بهاء المصري : فلسطين بين الحروب والممرات الاقتصادية: من ساحة صراع إلى شريك بصناعة الشرق الأوسط الجديد
حتى الثالث عشر من أيار/ مايو 2026، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف سياسي تقليدي يدور حول المفاوضات والحدود والقرارات الدولية، بل أصبحت في قلب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط بأكمله. فالحرب الممتدة من غزة إلى الخليج، وما رافقها من صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، لم تؤد فقط إلى زعزعة الأمن الإقليمي، بل دفعت العالم نحو إعادة التفكير في خرائط التجارة والطاقة والممرات الاقتصادية الدولية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يقف الفلسطينيون أمام واقع سياسي ومعيشي بالغ القسوة والتعقيد. ففي قطاع غزة، باتت الحياة اليومية معلّقة بين الدمار والنزوح والحصار، فيما تشير الوقائع الميدانية إلى تمدد السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع تقترب من نحو 70 % من إجمالي مساحته، ضمن بيئة إنسانية شديدة التدهور تتداخل فيها أزمة الغذاء والصحة والمياه والطاقة مع غياب أي أفق سياسي واضح.
أما في الضفة الغربية، فالصورة تبدو أقل تدميراً من غزة لكنها أكثر تعقيداً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ يعيش الفلسطينيون حالة من الاختناق الاقتصادي الناتج عن تقييد الحركة، وتراجع فرص العمل داخل إسرائيل، وأزمة السيولة التي تواجهها السلطة الفلسطينية، إلى جانب التوسع الاستيطاني والعنف المتصاعد وهدم المنشآت وغياب الاستقرار الاستثماري. وبات الاقتصاد الفلسطيني في الضفة أقرب إلى اقتصاد البقاء اليومي منه إلى اقتصاد التنمية والنمو.
وفي الوقت ذاته، تتسارع في العواصم الغربية والإقليمية النقاشات حول إنشاء ممرات اقتصادية جديدة تربط بلاد الشام والعراق ودول شبه الجزيرة العربية بأوروبا والعالم، بهدف تجاوز الاختناقات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب الحالية، خصوصاً في مضائق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. ولم تعد هذه الممرات مجرد مشاريع نقل تقليدية، بل تحولت إلى رؤية استراتيجية متكاملة تشمل شبكات الطاقة والغاز والهيدروجين الأخضر والكهرباء والسكك الحديدية والكابلات الرقمية وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والصناعات الحديثة.
غير أن أي مقاربة واقعية ومستدامة للاستقرار في المنطقة لا يمكن أن تقوم على المسار الأمني أو الاقتصادي وحده، بل يجب أن ترتكز على مسارين متوازيين ومتكاملين:
الأول، تحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي والإنساني للفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وفرص العمل وإعادة الإعمار وحرية الحركة والتنمية الاقتصادية.
والثاني، الاستمرار بشكل متوازٍ في الجهود والمساعي السياسية والدبلوماسية الدولية الهادفة إلى التوصل إلى حلول سياسية عادلة تمكّن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير على أرضه، بما في ذلك حق إقامة الدولة الفلسطينية، وهو الحق الذي بات يحظى بتأييد سياسي وشعبي متزايد على المستوى الدولي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الممرات الاقتصادية الإقليمية الجديدة باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل الترابط الاقتصادي في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية وربطها بالأسواق الأوروبية والعالمية. غير أنّ نجاح هذه الممرات واستدامتها يتطلبان ألّا تُختزل وظيفة الأردن وفلسطين في كونهما مجرد دول عبور لوجستي أو ممرات نقل للبضائع والطاقة، بل أن تتحولا إلى شريكين حقيقيين في خلق القيمة المضافة الاقتصادية داخل المنطقة.
وهذا يعني توجيه الاستثمارات نحو بناء منظومات إنتاجية متكاملة تشمل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، وإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، والصناعات الحديثة، والخدمات الرقمية، ومراكز البيانات، والصناعات الهندسية والتكنولوجية، إضافة إلى المناطق الصناعية والتنموية ومراكز الأعمال والخدمات اللوجستية. كما تفتح هذه الرؤية المجال أمام الأردن وفلسطين للاستفادة من خطط الاستثمار الأوروبية المدعومة أميركياً، ليس فقط لتأمين احتياجات أوروبا المستقبلية من الطاقة، وإنما أيضاً لتمكين اقتصادات المنطقة من تطوير قدراتها الإنتاجية والتصديرية وفتح أسواق جديدة أمام السلع والخدمات الأردنية والفلسطينية نحو أوروبا والعالم.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الدور الذي يُتوقع أن تلعبه إسرائيل ضمن منظومة الممرات الاقتصادية الإقليمية الجديدة، إذ من المرجح أن تستفيد هي الأخرى من هذه الشبكات التجارية واللوجستية والطاقة في تعزيز صادراتها ووارداتها عبر موانئها المطلة على البحر الأبيض المتوسط. غير أنّ أي رؤية إقليمية متوازنة ومستقرة ينبغي ألّا تقتصر على دمج إسرائيل اقتصادياً فقط، بل يجب أن تتضمن بصورة واضحة منح المناطق الفلسطينية دوراً اقتصادياً حقيقياً وفاعلاً ضمن هذه المنظومة المستقبلية.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة إحياء الدور المستقبلي لميناء غزة الفلسطيني ليكون، في حال تهيئة الظروف السياسية والأمنية المناسبة، مركزاً لتجميع وتصدير واستقبال البضائع المتجهة من وإلى أوروبا والعالم، أسوة بموانئ شرق البحر الأبيض المتوسط الأخرى مثل موانئ اللاذقية وبيروت والعريش، بحيث تتحول هذه الموانئ مجتمعة إلى عقد لوجستية وتجارية وصناعية تربط القارتين الآسيوية والأوروبية عبر شبكة مترابطة من الممرات الاقتصادية والطاقة والخدمات.
كما أنّ نجاح أي مشروع إقليمي بهذا الحجم سيستوجب ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية ودبلوماسية على إسرائيل من أجل السماح بوجود دور اقتصادي وتنموي حقيقي للمناطق الفلسطينية، وعدم إبقاء الاقتصاد الفلسطيني في حالة العزل والتقييد الدائمين. فاستقرار المنطقة اقتصادياً وأمنياً لن يكون ممكناً في ظل استمرار انهيار الواقع المعيشي في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو استمرار تحويل الأراضي الفلسطينية إلى مساحات مغلقة ومعزولة اقتصادياً.
وفي هذا المشهد الإقليمي المعقّد، يبرز الدور الأردني باعتباره أحد أهم عوامل دعم صمود الشعب الفلسطيني سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريخ والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وإنما أيضاً بحكم الموقع الاستراتيجي للأردن كحلقة وصل طبيعية بين فلسطين والعالم العربي، وامتداداً نحو تركيا وأوروبا عبر شبكات النقل والطاقة والتجارة المستقبلية.
فالأردن يمتلك من المقومات اللوجستية والمؤسسية والبشرية ما يؤهله ليكون رأس جسر التواصل الاقتصادي لفلسطين مع عمقها العربي والإقليمي، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن الممرات الاقتصادية الجديدة التي ستربط الخليج العربي وبلاد الشام والعراق وتركيا وأوروبا ضمن شبكات متعددة الوسائط تشمل الطرق البرية والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية.
ومن هذا المنطلق، يمكن للأردن أن يؤدي دوراً محورياً في دمج النشاط الاقتصادي الفلسطيني المستقبلي ضمن الاقتصاد الإقليمي، من خلال تطوير مناطق لوجستية وصناعية مشتركة، وربط الأسواق الفلسطينية بالموانئ الأردنية والعربية، وتسهيل حركة البضائع والخدمات والاستثمارات، إضافة إلى دعم مشاريع البنية التحتية والطاقة والمياه والخدمات الرقمية التي يحتاجها الاقتصاد الفلسطيني لإعادة النهوض.
كما يمكن للأردن أن يشكل منصة إقليمية لإعادة تصدير المنتجات الفلسطينية وربطها بالأسواق الخليجية والعراقية والتركية، مستفيداً من شبكة علاقاته السياسية والاقتصادية مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، ومن اتفاقيات التجارة الحرة والبنية المصرفية والخبرات الفنية المتراكمة لديه. ويزداد هذا الدور أهمية في ظل احتمالات تطوير شبكات سكك الحديد والممرات البرية التي قد تربط الخليج العربي بالعقبة والأردن ثم فلسطين وشرق المتوسط وتركيا لاحقاً.
ولا يقتصر الدور الأردني على الجانب اللوجستي فقط، بل يمتد إلى المساهمة في بناء قاعدة اقتصادية فلسطينية أكثر قدرة على الصمود، عبر تشجيع الاستثمارات المشتركة في قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية والدوائية، والخدمات الصحية والتعليمية، والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، بما يخلق فرص عمل حقيقية للفلسطينيين ويحد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته، يدرك الأردن أن استقرار فلسطين وتحسين ظروفها الاقتصادية والمعيشية ليسا قضية تضامن إنساني فحسب، بل يمثلان أيضاً جزءاً أساسياً من الأمن والاستقرار الإقليميين. ولذلك فإن نجاح أي مشروع إقليمي للممرات الاقتصادية أو التكامل التجاري سيبقى مرتبطاً بوجود بيئة فلسطينية قابلة للحياة اقتصادياً وسياسياً، وبمنح الفلسطينيين دوراً حقيقياً في منظومة التنمية الإقليمية القادمة، بدلاً من بقائهم خارج معادلات النمو والاستثمار والاستقرار.
وفي ختام هذه الرؤية، فإن أي مشروع حقيقي لإنقاذ الواقع الفلسطيني وإعادة دمجه ضمن البيئة الإقليمية والدولية الجديدة، لا يمكن أن يقتصر فقط على الدعم السياسي أو المساعدات الاقتصادية أو مشاريع البنية التحتية، بل يجب أن يترافق مع عملية تحديث شاملة وعميقة داخل المجتمع الفلسطيني ومؤسساته الإدارية والقانونية والاجتماعية.
فالمرحلة القادمة تتطلب انتقالاً تدريجياً نحو نموذج حديث في الإدارة والحكم، يقوم على الحوكمة الرقمية، وتطوير أداء مؤسسات السلطة العامة، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، وتعزيز مبادئ العدالة وسيادة القانون والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص، بحيث تصبح الكفاءة والنزاهة والإنجاز هي الأساس في بناء المؤسسات وإدارة الموارد العامة.
كما أن التحول نحو الإدارة الرقمية الحديثة وتطوير القطاعات التعليمية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية سيمنح الفلسطينيين فرصة لإظهار الوجه الحقيقي لشعب يمتلك إرثاً حضارياً وثقافياً وإنسانياً عريقاً، لكنه في الوقت ذاته قادر على التجدد والانخراط في متطلبات العصر الحديث، وبناء نموذج تنموي معاصر رغم كل التحديات التي مر بها عبر عقود طويلة من الصراع والاحتلال والمعاناة.
إن ما تحتاجه فلسطين في المرحلة المقبلة ليس فقط إعادة إعمار الحجر، بل إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والثقة بالمستقبل. ولذلك فإن المطلوب هو ما يمكن وصفه بـ«ثورة بيضاء» شاملة في مختلف نواحي الحياة الفلسطينية؛ ثورة تقوم على الإصلاح والتحديث والانفتاح وبناء مجتمع منتج ومتعلم ومتماسك، قادر على استثمار الفرص الإقليمية والدولية القادمة، وقادر في الوقت ذاته على الحفاظ على هويته الوطنية وتراثه التاريخي وحقوقه السياسية المشروعة.
فالشعب الفلسطيني الذي استطاع الحفاظ على هويته الوطنية رغم عقود التهجير والحروب والانقسام والحصار، يستحق اليوم فرصة تاريخية جديدة لإعادة بناء مجتمعه ودولته المستقبلية ضمن إطار من الحداثة والكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة، ليكون شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبل المنطقة بدل أن يبقى رهينة أزماتها وصراعاتها المستمرة.
ــ الدستور