الأخبار

رمزي الغزوي : المثقف في زمن «التريند»

رمزي الغزوي : المثقف في زمن «التريند»
أخبارنا :  

كان القدماء يعتقدون أن للكلمة روحا خفية، قادرة على إشعال الثورات، أو إخماد الحرائق في النفوس والبلدان. أما اليوم فتبدو الكلمة مثل طائر مهيض الجناحين، يتخبط في فضاء مكتظ بالضجيج والسرعة والعبور الخاطف، حتى غدا المعنى نفسه مهددا بالتلاشي وسط هذا الصخب الكاسح. والمثقف، الذي حلم يوما بأن يغير العالم عبر مشروعه الفكري، استيقظ متأخرا ليجد نفسه معزولا في زمن لا يصغي، يكتب كثيرا ولا يُسمع له إلا القليل، كأن صوته يرتد إليه مثل صدى بعيد في بئر مهجورة. ففي عصر الشاشات اللامعة والنجومية السريعة، لم يعد الفكر الثقيل مرغوبا، ولا الأسئلة العميقة قادرة على منافسة الضجيج اليومي المتدفق بلا توقف.

لم تستطع الثقافة العربية أن تبني سلطتها المعنوية الخاصة، لا لعجز في اللغة ولا لفقر في الفكر، وإنما لأنها بقيت طويلا تستجدي إذن العبور إلى ساحة التأثير. من اقترب من السلطة تحول إلى صدى يُستدعى عند الحاجة، ومن رفضها دُفع إلى الهامش. وحتى هناك لم ينج تماما، إذ جرى استخدامه في كثير من الأحيان بوصفه واجهة ديكورية توحي بتعددية زائفة، فيما القرار الحقيقي ظل بعيدا عن يده وصوته.

الأنظمة المسيطرة، أيا كان شكلها أو خطابها، لم تترك مجالا إلا وأخضعته: التعليم، الفن، الإعلام، وحتى الثقافة التي كان يفترض أن تبقى مستقلة وذات هيبة. وهكذا صار المثقف يلد نصوصا مقزمة بسقف رقابة صارم، ومطرزة بمفردات ناعمة، ظاهرها الحياد وباطنها الإذعان والخوف والتكيف القسري.

اليوم نشهد كيف تحولت التفاهة إلى نظام شبه متكامل، وكيف صار المثقف الحقيقي، صاحب الرؤية والأسئلة المقلقة، بلا صوت أو أثر يذكر. يقبع على هامش الشاشة، يشاهد بمرارة احتفاء مجتمعه بمعلقين سطحيين وصناع ضجيج يتقنون إثارة الانتباه أكثر من إنتاج المعنى. فالسلطة، ومعها السوق والجمهور المتعجل، لم تعد تريد المثقف بوصفه مفكرا وصانع رؤى، وإنما بوصفه مؤثرا وفق النموذج الرائج: صانع محتوى صاخب يختصر الحياة في «ترند» عابر و»تاغ» بارد.

السؤال المنبري اليوم لم يعد كيف أُقصي المثقف فحسب، وإنما كيف شارك هو نفسه، أحيانا، في صناعة هذا الإقصاء. هل نملك شجاعة نقد مثقفنا، لا لننزع عنه قداسته فقط، وإنما لنستعيد إنسانيته أيضا؟ وهل تستطيع الثقافة أن تعود لاعبا مستقلا، لا تابعا ولا هتّافا ولا مجرد ديكور في مشهد مكتظ بالضجيج؟.

هو سؤال حائر، يتأرجح مثل قنديل صغير في سقف آيل للانهيار.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك