د. سليمان علي الخوالدة : الذكاء الاصطناعي والتعليم في الأردن: فرصة وطنية لتخفيف الضغط الاقتصادي على الأسر
أكد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، خلال منتدى تواصل 2026، أهمية الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتمكين الشباب الأردني من أدوات المستقبل، انطلاقاً من دور الاقتصاد الرقمي والمعرفة التقنية في صناعة التنمية وخلق فرص العمل. وتعكس هذه الرؤية الوطنية توجهاً استراتيجياً نحو بناء اقتصاد معرفي حديث، قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، وفي مقدمتها ارتفاع كلفة التعليم بشكل عام، والتعليم العالي بشكل خاص، على الأسر الأردنية.
في الواقع، لم يعد التعليم في الأردن، بمستوييه العام والجامعي، مجرد خدمة أساسية، بل أصبح عبئاً اقتصادياً متصاعداً على العديد من الأسر، في ظل محدودية الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى. كما أن ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب زاد من حدة هذا العبء، وجعل الاستثمار في التعليم تحدياً مالياً طويل الأمد بالنسبة لكثير من العائلات.
وتتعدد التكاليف المرتبطة بالتعليم؛ فهي لا تقتصر على الرسوم فقط، بل تشمل كذلك تكاليف المواصلات، والكتب والقرطاسية، والطباعة، والدروس الخصوصية، والدورات المساندة، إضافة إلى متطلبات الحياة الدراسية اليومية. ومع تراكم هذه النفقات، أصبح التعليم يشكل معضلة اقتصادية حقيقية تمس استقرار الأسرة الأردنية وقدرتها على التخطيط للمستقبل.
في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كفرصة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل قطاع التعليم، بمختلف مستوياته، ليس فقط من حيث تحسين الجودة، بل أيضاً من حيث تخفيف الكلفة بشكل ملموس ومستدام.
فعلى مستوى التعليم العام والتعليم العالي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر بيئة تعليمية أكثر كفاءة، من خلال منصات ذكية تقدم الشرح والتلخيص والتدريب والإجابة عن الأسئلة بشكل فوري ومخصص لكل طالب. وهذا يقلل بشكل كبير من الاعتماد على الدروس الخصوصية والدورات المدفوعة، التي تشكل عبئاً مالياً متزايداً على الأسر.
كما أن التوسع في التعليم الرقمي والتعليم المدمج يسهم في تقليل تكاليف الكتب الورقية والطباعة والملخصات؛ إذ يمكن للطلبة الوصول إلى المحتوى التعليمي إلكترونياً بسهولة وبتكلفة منخفضة جداً، ما يخفف النفقات المتكررة خلال الفصل الدراسي، ويواكب في الوقت نفسه التحول العالمي نحو التعليم الرقمي المستدام.
أما في التعليم العالي بشكل خاص، فإن أثر الذكاء الاصطناعي يكون أكثر عمقاً، حيث يسهم في تقليل تكاليف المواصلات والسكن من خلال دعم التعليم عن بعد والتعليم المدمج. كما يتيح أتمتة العديد من الخدمات الجامعية، مثل التسجيل والإرشاد الأكاديمي وإدارة الامتحانات وتحليل الأداء، مما يرفع كفاءة المؤسسات التعليمية ويقلل من التكاليف التشغيلية التي تنعكس بشكل غير مباشر على الرسوم الجامعية.
إضافة إلى ذلك، يساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة التعلم من خلال التعليم المخصص، الذي يتكيف مع قدرات كل طالب واحتياجاته. وهذا يساهم في تقليل نسب الرسوب والتأخر الأكاديمي، ويحد من الحاجة إلى إعادة المساقات أو تمديد سنوات الدراسة، وهي من أبرز الأسباب التي تزيد العبء المالي على الأسر.
ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يمثل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد رقمي حديث، يعزز العدالة التعليمية ويقلل الفجوات الاجتماعية. فكلما أصبح التعليم أكثر إتاحة وأقل تكلفة، ازدادت فرص الشباب في استكمال تعليمهم، والانخراط الفاعل في سوق العمل، مما ينعكس إيجابا على الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
وبناءً على ذلك، فإن المرحلة الحالية تتطلب تبني سياسات وطنية شاملة لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم العام والعالي، تقوم على تطوير البنية التحتية الرقمية، وتوفير أدوات التعليم الذكي للطلبة بشكل مجاني أو مدعوم، إلى جانب تدريب الكوادر التعليمية على استخدام هذه التقنيات بكفاءة وفاعلية.
وفي الختام، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً تقنياً ثانوياً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة. فهو يمثل فرصة حقيقية لإعادة ضبط كلفة التعليم في الأردن، وتخفيف الضغط الاقتصادي عن الأسر، وبناء منظومة تعليمية أكثر عدالة وكفاءة واستدامة، قادرة على مواكبة تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.