الأخبار

د. منيرة جرادات : المرأة غير العاملة بأجر: الجهد الصامت في قلب التنمية

د. منيرة جرادات : المرأة غير العاملة بأجر: الجهد الصامت في قلب التنمية
أخبارنا :  

قد ننسى أحياناً، ونحن نحتفي بالمرأة العاملة بأجر، أن هناك امرأة أخرى تعمل كل يوم، بلا توقيع حضور، ولا كشف راتب، ولا علاوة، ولا تقاعد، ولا شهادة شكر. امرأة لا تغادر بيتها إلى العمل، لكنها تدير مؤسسة كاملة داخل البيت. لا تحمل مسمى وظيفياً، لكنها تؤدي أدوار المربية، والمعلمة، والممرضة، والمرشدة، والمدبرة، والحامية، والذاكرة الأولى للأسرة. إنها المرأة الأردنية غير العاملة بأجر، تلك التي لا تظهر كثيرًا في عناوين الأخبار، لكنها حاضرة في أساس كل بيت، وفي تكوين كل إنسان، وفي بناء كل عامل وعاملة يخرجون إلى ميادين الحياة.

ليس من العدل أن نقيس العمل بما يدفع مقابله فقط. فهناك أعمال لا يقل أثرها عن أكثر الوظائف أهمية، لكنها لا تدخل في حسابات الدخل، ولا تظهر في الأرقام الرسمية كما ينبغي. تربية طفل، بناء شخصية، غرس قيمة الصدق، تعليم الصبر، مرافقة ابناءها في مرضهم، متابعة دراستهم حتى تحقيق اهدافهم، رعاية كبير في السن، حفظ تماسك الأسرة في الأزمات، هذه كلها أعمال كبرى، لكنها غالباً تؤدى بصمت. ومن المؤلم أن الصمت الطويل قد يجعل المجتمع يعتاد على أخذها كأمر بديهي، كأنها واجب لا يحتاج إلى تقدير.

هذه المرأة هي التي تؤهل العاملين بأجر قبل أن تؤهلهم الجامعات ومراكز التدريب. هي أول مدرسة للانضباط، وأول مختبر للمسؤولية، وأول مساحة يتعلم فيها الإنسان معنى الالتزام. الموظف الذي يصل في موعده، والعامل الذي يحترم مهنته، والمسؤول الذي يخاف الله في قراره، والمواطنة التي تعرف حقها وواجبها، كل هؤلاء لم يولدوا جاهزين. وراءهم بيت، ووراء البيت امرأة ربّت، واحتوت، وقوّمت، وشجعت، وغفرت، وبدأت من جديد.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو الإيثار الذي تمارسه كثير من النساء غير العاملات بأجر. فبعضهن لم يخترن البقاء خارج سوق العمل بارادتهن او بدافع الراحة، بل دفعتهن الظروف إلى ذلك. هناك من تركت تعليمها لتساند أسرتها، ومن تنازلت عن فرصة عمل لأن طفلاً يحتاج رعاية، أو لأن أسرة لا تستطيع تحمل كلفة الحضانات، أو لأن والدين كبيرين لا يجدان غيرها. وهناك من كانت يمكن أن تكون في موقع مهني مرموق، لكنها وضعت مصلحة أبنائها وأسرتها فوق طموحها الشخصي. هذا لا يعني أن التضحية يجب أن تبقى قدراً مفروضاً على النساء، لكنه يعني أن علينا أن نرى هذه التضحية، وأن نحترمها، وأن لا نختزل صاحبتها في وصف قاس مثل: "لا تعمل".

في الأردن، وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، قطعت المرأة الأردنية خطوات مهمة في مجالات التعليم والعمل والسياسة والمشاركة العامة. كما جاءت مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري لتؤكد أن حضور المرأة ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية. غير أن هذا التقدم يجب أن يتسع ليشمل كل النساء، لا المرأة الظاهرة في الفضاء العام فقط. فالمرأة في البرلمان، والجامعة، والمستشفى، والشركة، والوزارة، تستحق الدعم والإنصاف، وكذلك المرأة التي تبني داخل بيتها الإنسان القادر على العمل والإنتاج والمشاركة.

إن تقدير المرأة غير العاملة بأجر لا يعني العودة إلى فكرة حصر المرأة في المنزل، ولا يعني التقليل من شأن المرأة العاملة بأجر. بل يعني أن العدالة لا تكتمل إذا احتفينا بنموذج واحد وتجاهلنا نموذجاً آخر. المطلوب ليس أن نقول للمرأة أين يجب أن تكون، بل أن نحترم قيمة ما تقدمه أينما كانت. فمن اختارت العمل خارج البيت تستحق بيئة آمنة وفرصاً عادلة. ومن اختارت، أو اضطرت، إلى التفرغ لأسرتها تستحق اعترافاً اجتماعياً ومعنوياً، وربما سياسات حماية أوسع تراعي قيمة الرعاية غير مدفوعة الأجر.

المجتمع الذي لا يقدّر الرعاية يضعف من داخله. فالاقتصاد لا يقوم على المصانع والمكاتب وحدها، بل يقوم أيضاً على أسر مستقرة، وأطفال أصحاء، وشباب متوازنين، وكبار سن يجدون من يرعاهم بكرامة. هذه كلها نتائج لا تأتي من فراغ. إنها ثمرة عمل يومي شاق، تكرره المرأة في تفاصيل صغيرة: وجبة دافئة، كلمة طمأنة، مراجعة درس، ترتيب بيت، متابعة موعد طبي، إصلاح خلاف، إخفاء تعب حتى لا ينهار الآخرون.

لذلك، نحتاج إلى تغيير لغتنا قبل أن نغير سياساتنا. لا نقول "امرأة لا تعمل"، بل نقول "امرأة تعمل بلا أجر". لا نسألها باستعلاء: "ماذا تفعلين طوال اليوم؟"، بل نسأل أنفسنا: كيف يستقيم يوم الأسرة دونها؟ لا نعامل جهدها كأنه واجب طبيعي لا يستحق الشكر، بل كخدمة إنسانية ووطنية عميقة الأثر.

إن المرأة الأردنية غير العاملة بأجر لا تطلب تمثالًا في ساحة عامة، ولا تصفيقاً عابراً في مناسبة سنوية. هي تحتاج إلى إنصاف في الوعي، واحترام في الخطاب، وتقدير داخل الأسرة، وسياسات تراعي أن الرعاية عمل حقيقي. تحتاج أن يشعر أبناؤها وزوجها واخوانها ومجتمعها أن ما تقدمه ليس هامشاً، بل أصل من أصول البناء.

في كل بيت أردني تقريباً، هناك امرأة تشبه الوطن في صبره. تعطي ولا تمنّ، تتعب ولا تعلن، تؤجل نفسها كي يتقدم الآخرون. وحين نكتب عن التنمية والنهضة والتحديث، علينا ألا ننسى اليد التي ربّت من سيحملون هذه النهضة. فالمرأة التي لا تتقاضى أجراً قد تكون، في الحقيقة، أكثر من دفع المجتمع إلى الأمام. إنها لا تصنع الطعام فقط، بل تصنع الإنسان. ولا تدير البيت فقط، بل تدير المعنى الأول للحياة.

وقد آن الأوان أن نقول لها، بوضوح وامتنان: أنتِ لستِ خارج معادلة العمل. أنتِ في قلبها. وأنتِ لستِ ظلاً خلف نجاح الآخرين. أنتِ الجذر الذي جعل ذلك النجاح ممكناً.
*رئيس قسم اللغة الانجليزية -كلية الاداب-جامعة جدارا

مواضيع قد تهمك