كيف يمكن للأحزاب أن تنتقل بالعمل البلدي من الخدمات الفردية إلى سياسات قابلة للمساءلة؟
فرح عطيات
عمان – يدخل مسار التحديث السياسي في الأردن اختبارا عمليا جديدا عبر بوابة الإدارة المحلية، مع تصاعد النقاش حول إدماج الأحزاب في المجالس المنتخبة، بوصفه تحولا من نمط تقليدي قائم على العلاقات الفردية والوجاهة، إلى فضاء تنافسي تحكمه البرامج والسياسات العامة.
زخم الحوارات المرتبطة بمشروع قانون الإدارة المحلية يعكس رهانات على نقل
العمل البلدي من تقديم خدمات جزئية إلى صناعة قرار تنموي، قابل للقياس
والمساءلة.
وهذا التحول يضع الأحزاب أمام استحقاق حقيقي يتجاوز الشعارات، باتجاه
تقديم برامج محلية واضحة تعالج قضايا البطالة وجودة الخدمات وإدارة
الموارد، وفق خبراء بالشأن البلدي.
وبرأيهم، فإن حضور القوائم البرامجية يفتح الباب أمام مساءلة جماعية، حيث
يصبح الأداء محكوما بقدرة الكتل على تنفيذ وعودها، لا بأدوار فردية يصعب
تقييم أثرها، ما يعيد تعريف العلاقة بين الناخب والمجلس المحلي، ضمن إطار
مؤسسي أكثر نضجا.
في المقابل، يبرز تحدٍ مركب يرتبط ببيئة العمل التشريعي والمالي؛ إذ يتطلب
نجاح هذا المسار تعزيز اللامركزية المالية، وتوضيح الصلاحيات، وبناء
منظومة رقابية فعالة تضمن الشفافية وتمنع إعادة إنتاج النفوذ الشخصي بصيغ
جديدة، بحسب الخبراء.
ومن وجهة نظر الأمين العام السابق لوزارة الشؤون البلدية مروان الفاعوري،
يشكل إدماج الأحزاب في الإدارة المحلية "خطوة مفصلية" في مسار التحديث
السياسي؛ لأنه ينقل العمل المحلي من منطق "العلاقات الفردية والوجاهة
والخدمات الجزئية" إلى منطق "البرامج والسياسات العامة القابلة للقياس
والمساءلة".
ولفت لـ"الغد" إلى أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة مع الحوارات الجارية
حول مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية، والتي ربطتها الحكومة باستكمال
منظومة التحديث السياسي التي شملت قانوني الأحزاب والانتخاب.
وشدد الفاعوري على أن الإدارة المحلية ليست "مجرد بلديات ومجالس خدمات"،
بل هي "المختبر العملي الأقرب للمواطن، وفيها تتضح قدرة الأحزاب على تحويل
شعاراتها لخطط، أكان في النقل، أو النظافة، أو التنظيم، أو الاستثمار
المحلي، أو تمكين الشباب والمرأة، أو عدالة توزيع المشاريع بين المناطق".
وحول كيف يمكن أن تشكل الأحزاب مدخلا لهذا الانتقال، بين أن الأحزاب تستطيع
أن تكون "مدخلا حقيقيا" للانتقال نحو التنافس البرامجي عندما تخوض
الانتخابات المحلية بقوائم "تحمل برامج معلنة"، "لا أسماء منفردة فقط".
وهنا يطرح تساؤلات مفادها: ماذا يقترح الحزب للمحافظة أو البلدية؟ وكيف
سيعالج البطالة؟ وكيف سيرفع جودة الخدمات؟ وكيف سيدير الموازنة؟ لا: من هو
الأقرب عشائريا أو اجتماعيا؟ مضيفا أن وجود كتل حزبية في المجالس المحلية
"يخلق مسؤولية جماعية"؛ فالناخب يستطيع أن "يحاسب الحزب على الأداء"، لا أن
يواجه "أفرادا متفرقين" يصعب قياس أثرهم، وهذا يعزز فكرة السياسة كخدمة
عامة منظمة، لا كوساطة شخصية. ولتعزيز هذه الخطوة، دعا لتبني الأحزاب برامج
محلية "حقيقية" لكل محافظة وبلدية، لا أن تكتفي "ببيانات عامة"، حاثا على
أهمية تدريب كوادر حزبية على قضايا الإدارة المحلية كالموازنات، والتخطيط،
والرقابة، وأولويات التنمية، والشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
كما ينبغي تعزيز الثقافة السياسية عند المواطنين ليدركوا أن المجلس المحلي
ليس فقط بوابة "لمطلب فردي"، بل مؤسسة لصناعة "قرار تنموي"، وكذلك تمكين
الشباب والنساء داخل القوائم الحزبية المحلية، بما يضمن تجديد النخب وتوسيع
قاعدة المشاركة، وفقه.
ويمكن لتعديلات قانون الإدارة المحلية أن تحقق ذلك إذا ربطت بين
اللامركزية السياسية واللامركزية المالية والخدمية والإدارية، بحسبه، مشيرا
إلى مخرجات وتوصيات الإدارة المحلية التي تشير إلى محاور كاللامركزية
المالية، واعتماد دليل الاحتياجات كمرجعية لتحديد المشاريع، ومنح مجالس
المحافظات دورا في المتابعة والرقابة.
وهذه المحاور التي ذكرها الفاعوري، إذا صيغت تشريعيا "بوضوح"، ستجعل
الأحزاب مطالبة بتقديم بدائل عملية، بما يتضمن كيفية ترتيب الأولويات،
ومراقبة التنفيذ، والتوازن بين المناطق، وتحويل المطالب الشعبية لخطط قابلة
للتمويل والتنفيذ.
وبناء على ذلك، يجب أن تشتمل تعديلات قانون الإدارة المحلية، وفقه، على
تخصيص مساحة واضحة للقوائم الحزبية أو البرامجية في انتخابات مجالس
المحافظات والبلديات، بما يشجع العمل الجماعي لا الفردي، وإلزام القوائم
بنشر برامج محلية محددة قبل الانتخابات، وربط ذلك بتقارير أداء دورية بعد
الفوز.
وأكد أنه من الضروري "تعزيز صلاحيات" مجالس المحافظات في الرقابة
والمتابعة، و"توضيح علاقتها" بالمجلس البلدي والحاكم الإداري والوزارات،
حتى لا تبقى اللامركزية شكلية.
ومن بين الأمور الأخرى التي اقترحها: اعتماد قواعد للشفافية في الموازنات
والمشاريع، ونشر دليل الاحتياجات والأولويات بصورة علنية للمواطنين، داعيا
لتضمين التعديلات آليات تمنع تحويل المجالس المحلية إلى امتداد للنفوذ
الشخصي، بتشجيع الكتل البرامجية، وإقرار مدونات سلوك، وتفعيل المساءلة،
وتطوير أدوات تقييم الأداء.
ولفت إلى أن إدماج الأحزاب بالإدارة المحلية ليس "غاية بذاته"، بل وسيلة
لبناء حياة سياسية "ناضجة" تبدأ من القرية والمدينة والمحافظة. مبينا أن
الأحزاب إذا نجحت بتقديم حلول محلية واقعية، ومنحت القانون مساحة عادلة
للعمل والمساءلة، فإن الأردن سيكون أمام "نقلة مهمة" من نائب أو عضو مجلس،
يبحث عن "خدمة فردية"، إلى حزب "ينافس بسياسة عامة"؛ ومن ناخب "يطلب مصلحة
مباشرة"، إلى مواطن "يختار برنامجا لمستقبل منطقته".
وبرأي الخبير بالشأن البلدي د. أسامة العزام، فإن الأحزاب "رافعة حقيقية"
لنقل العمل البلدي من "الفردية" إلى "المؤسسية"؛ لقدرتها على "مأسسة"
الطموح المحلي وتحويل البرنامج الانتخابي من وعود "شخصية مناطقية" إلى "عقد
اجتماعي" ملزم، يستند لرؤى سياسية واقتصادية واضحة.
وأكد العزام أن دخول العمل الحزبي لساحة الإدارة المحلية، يعني استبدال
التنافس على "من يقدم الخدمة لمن انتخبه"، بالتنافس بين "سياسات بديلة"
وحلول مبتكرة لقضايا النقل، والبيئة، والتنمية المستدامة.
كما أن الحزب يوفر "كتلا صلبة" في المجالس المحلية، ما ينهي حالة
الاستقطاب الفردي التي تعطل القرارات التنموية الكبرى، ويحول البلدية من
مجرد "وسيط خدمي" إلى "مؤسسة إدارة محلية منتجة".
ولكن تعزيز هذا المسار، كما يرى العزام، يتطلب منظومة "إصلاح مركبة" تعالج
الفجوات التشريعية والمالية والثقة، بإيجاد "استقرار تشريعي" يضمن دورية
الانتخابات وانتظامها كحق أصيل للمواطن وضمانة لنضوج التجربة، مبينا عدم
إمكانية الحديث عن برامج حزبية دون "لامركزية مالية" حقيقية تمنح البلديات
حصة "عادلة ومباشرة" من عوائد الدولة لتمويل خططها.
ودعا للاستثمار في تدريب الكوادر الحزبية عبر "مدارس حزبية" متخصصة لضمان
وجود مترشحين يمتلكون الكفاءة الفنية في الإدارة والمالية والحوكمة، وتفعيل
أدوات "المواطنة الفاعلة" كالموازنة التشاركية لردم فجوة الثقة بين
المواطن والمؤسسة.
ولعل التعديلات التشريعية المرتقبة تحمل "فرصا" إذا ما أُحسن استثمارها،
خاصة في اتجاه "فصل السياسي والرقابي عن التنفيذي"، إذ إن هذا الفصل يسمح
للكتل الحزبية بالتركيز على رسم السياسات وجلب الاستثمارات، بينما يترك
التنفيذ اليومي لمدير تنفيذي "كفء"، بحسبه.
ويعتقد العزام بأن التعديلات التي تكرس مفاهيم "المشاركة المجتمعية"
الإلزامية والتحول الرقمي ستقلل المحسوبية وتفرض التنافس على أساس جودة
السياسات والنتائج القابلة للقياس، لكن تحقيق ذلك يجب أن يشتمل على تعديلات
"جريئة" تلامس "الجوهر لا الشكل فقط" في قانون الإدارة المحلية، بحيث تضمن
تحول البلديات من "وحدات إدارية تابعة" إلى "مؤسسات إدارة محلية شريكة"،
وفقه.
ومن بين أبرز التعديلات التي أوردها، أن ينص القانون صراحة على أن "حق
الاختيار والتعيين الحصري" للمدير التنفيذي هو صلاحية أصيلة للمجلس البلدي
المنتخب (من ضمن قائمة كفاءات تضع معاييرها الوزارة)؛ لضمان أن يكون ولاؤه
لتنفيذ "البرنامج الانتخابي" الذي اختاره الناس، وليس مجرد موظف "يأتمر
بأمر" المركز ويهمش إرادة المجلس، مقترحا التمسك بتعريف البلدية كـ "مؤسسة
أهلية ذات استقلال مالي وإداري"، ورفض أي تحول نحو تعريفها كـ "مؤسسة
عامة"؛ فذلك يمس الفلسفة الديمقراطية للإدارة المحلية، ويشرعن التغول
المركزي على قراراتها ومواردها. وحث على قوننة آليات واضحة للرقابة
المجتمعية والمساءلة على أساس "الإنجاز البرامجي" وليس "الاسترضاء الخدمي"،
ما يلزم الكتل الحزبية بتقديم تقارير دورية حول ما تحقق من وعودها
الانتخابية، ويحول "الموازنة التشاركية" من أداة استرضاء إلى واقع تنموي،
مضيفا إدراج نص قانوني يوجب تحويل عوائد البلديات من المحروقات والمخالفات
"دوريا ومباشرة" ودون إبطاء؛ فبدون تدفق مالي "مستقر ومستقل"، ستبقى
البرامج الحزبية مجرد شعارات حبيسة الأدراج. وشدد على أهمية تبني نظام
انتخابي يعتمد "القوائم البرامجية" ويخصص لها مقاعد أو "كوتا" واضحة في
المجالس؛ وهو التعديل الجوهري الكفيل بكسر نمط "التنافس الفردي" وتعبيد
الطريق أمام الأحزاب لبناء كتل متجانسة، قادرة على رسم سياسات تنموية عابرة
للدورات الانتخابية.
واعتبر وزير البلديات الأسبق د. حازم قشوع أن إدماج الأحزاب لا يمكن أن
يكون إلا بالانتقال من الإدارة المحلية إلى الحكم المحلي، بحيث تجري إعادة
توزيع للمحافظات والبلديات كذلك، مبينا أنه ستكون هنالك 24 محافظة، تتضمن
24 بلدية، تضم دائرة إدارية وأمنية واحدة، وبالتالي فإن التصويت سيكون بناء
على القائمة، وليس فقط اعتماد مبدأ الصوت الواحد للفرد الواحد.
وأضاف أن القائمة ستشهد تنوعا بالمناطقية، ولكن ضمن الفريق الواحد، في وقت
ستتمتع فيه البرامج الحزبية القوية بالأصوات الغالبة في منظومة الحكم
المحلي، مؤكدا وجوب منح الأحزاب الصلاحية الواسعة في ملفات عديدة كالمرافق
الصحية والعلمية والبيئية وغيرها، ما يُجذّر برنامج الحكم المحلي الذي
يُعنى بالبنية التحتية والفوقية.
وأشار إلى أن قانون الإدارة المحلية يجب أن يُبنى على قانون الصوت الواحد
للقائمة، أشبه بالنقابات، وإنشاء برلمانات في كل محافظة، وحكومة محلية تأخذ
ثقتها من كل برلمان، وصولا لتوحيد النهج العام في صياغة الحياة السياسية
الوطنية. وأضاف أن توحيد النسق العام في جسم الدولة يضمن معه إلغاء ما يسمى
بنائب الخدمات، بحيث يصبح على أساس إنجازي، وبعد عدة أعوام لا بد من تحويل
موازنة الدولة من قطاعية إلى محافظات.
ــ الغد