الأخبار

د. حمد الكساسبة : عيد العمال في الأردن: حين تصبح الإنتاجية أولوية للنمو

د. حمد الكساسبة : عيد العمال في الأردن: حين تصبح الإنتاجية أولوية للنمو
أخبارنا :  

في كل عام، ومع حلول عيد العمال العالمي، يُعاد التذكير بقيمة العمل ودوره في بناء الاقتصاد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: كم نعمل؟ بل: ما الذي ننتجه؟ فالمشكلة لم تعد في عدد العاملين، بقدر ما هي في إنتاجيتهم، وفي قدرة العمل على توليد قيمة مضافة حقيقية تنعكس على النمو والتشغيل ومستويات الدخل.

منذ عام 2011، ظل النمو الاقتصادي في الأردن يدور في مستويات محدودة، لم تتجاوز في معظمها سقفًا يسمح بامتصاص الداخلين الجدد إلى سوق العمل. وفي المقابل، استمرت معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، في مؤشر واضح على أن العلاقة بين النمو والتشغيل لم تعد تعمل بالكفاءة المطلوبة. وهذا يعكس خللًا هيكليًا في طبيعة النمو، يرتبط بشكل مباشر بانخفاض إنتاجية العمل، وضعف قدرة الاقتصاد على تحويل الموارد المتاحة إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الأردني يعمل دون طاقته الإنتاجية، حيث توجد فجوة تقارب 20% بين الناتج الفعلي والناتج الممكن. وهذه الفجوة تعني ببساطة أن جزءًا كبيرًا من الإمكانات الاقتصادية لا يزال غير مستغل، وأن فرص العمل التي كان يمكن خلقها لا تظهر في الواقع. وفي هذا السياق، يصبح السؤال أكثر وضوحًا: لماذا لا تكون إنتاجية العمل هي نقطة الانطلاق في تصميم السياسات الاقتصادية؟

فالاقتصادات التي نجحت في تحقيق قفزات نوعية لم تبدأ بزيادة عدد الوظائف، بل بزيادة ما ينتجه العامل الواحد. وقد ركزت هذه الدول على ربط التعليم بسوق العمل، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الأعلى قيمة مضافة، وتعزيز استخدام التكنولوجيا، بما أدى إلى رفع كفاءة العمل وزيادة مساهمته في الناتج. ولم يكن ذلك مسارًا ثانويًا، بل الأساس الذي بُني عليه النمو المستدام.

أما في الحالة الأردنية، فإن الإنتاجية لم تحتل بعد موقعها الطبيعي في قلب النقاش الاقتصادي. فقد انشغلت السياسات في كثير من الأحيان بأدوات جزئية، لا تعالج جوهر المشكلة، ولا تعيد توجيه الاقتصاد نحو الأنشطة الأعلى كفاءة. فالتوسع في النشاط الاقتصادي دون تحسين الإنتاجية لا يؤدي إلا إلى نتائج محدودة، ولا ينعكس بالشكل الكافي على التشغيل أو الدخل.

إن إعادة توجيه السياسات نحو الإنتاجية تعني الانتقال من اقتصاد يركز على الكم إلى اقتصاد يركز على القيمة. وتعني أيضًا أن معيار النجاح لا يكون بعدد الوظائف فقط، بل بجودتها، وبقدرتها على خلق دخل أعلى ونمو أكثر استدامة. وهذا يتطلب تطوير المهارات، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتوجيه التمويل نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة، وتعزيز دور التكنولوجيا في بيئة العمل.

وفي هذا السياق، فإن يوم العمال لا ينبغي أن يكون مناسبة للاحتفاء فقط، بل فرصة لإعادة طرح السؤال الأهم: أي نوع من العمل نريد؟ عملًا يضيف إلى الاقتصاد، أم عملًا يستهلك طاقاته دون أثر كافٍ؟

إن ما يحتاجه الاقتصاد الأردني اليوم ليس مزيدًا من العمل فقط، بل عملًا أكثر إنتاجية، فالإنتاجية ليست خيارًا يمكن تأجيله، بل هي الإجابة على السؤال الأهم: ليس كم نعمل… بل ماذا ننتج، وهي الفاصل بين اقتصادٍ يراوح مكانه، وآخر يصنع مستقبله.

مواضيع قد تهمك