الأخبار

موفق ملكاوي : الحروب الصليبية.. ما الذي تقوله لنا اليوم؟

موفق ملكاوي : الحروب الصليبية.. ما الذي تقوله لنا اليوم؟
أخبارنا :  

تتصدى الباحثة والأكاديمية البريطانية كارول هيلينبراد، لدراسة فترة الحروب الصليبية في دراسة مهمة صدرت ترجمتها للعربية عن المعهد العالي العربي للترجمة العام الماضي، بعنوان «الحروب الصليبية: منظور إسلامي»، تتناول فيها ظاهرة الحملات الصليبية من المصادر العربية والإسلامية في أبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأثر الاجتماعي للوجود الفرنجي في العالم العربي، والحواجز التي شكلت بعض الصور النمطية.

يلقي الكتاب الضوء على الصدام بين حضارتين، ويحلل الأبعاد المختلفة لهذا الصدام بشمولية تمنح نظرة كافية عن حال الأقاليم العربية، والنزاعات الدينية بينها، مستندا إلى نطاق واسع من مصادر تلك الفترة من كتابات المؤرخين العرب والترك والفرس، والنصوص النثرية والشعرية والجغرافية، والأعمال الفنية.
الخلفية الجغرافية والديموغرافية للشرق الأدنى حاضرة قبل وخلال الحملات الصليبية، بما فيها من تنوع عرقي ومذهبي، وتقسيمات سياسية عميقة جعلته ضعيفا أمام الهجوم الصليبي الموحد، وتلفت الباحثة إلى أن التفكك السياسي والانقسامات الداخلية كانت عاملا حاسما في نجاح الصليبيين الأولي، وليس تفوقهم العسكري أو ضعف المسلمين الجوهري.
تطور مفهوم الجهاد بوصفه استجابة تاريخية منظمة للوجود الصليبي، تفرد له الكاتبة جهدا بحثيا واسعا، لتبين أن المفهوم حصيلة عملية إحياء وتطوير أيديولوجي وسياسي امتدت لسنوات.
القادة مثل عماد الدين زنكي ثم نور الدين زنكي عملوا على إعادة صياغة الجهاد كواجب ديني وجماعي لتحرير الأرض، وكأداة سياسية لتوحيد المسلمين وبناء شرعية السلطة.
تعتمد الباحثة في تحليلها منهجية تركيبية تتجاوز السرد التاريخي التقليدي، فتقرأ الظاهرة ضمن سياقاتها الجيوإستراتيجية، وتحلل الخطاب الديني والسياسي عبر نصوص الخطب والمراسلات والفتاوى، مع ربط التحولات المفاهيمية بالضرورات الميدانية، لتكشف أن إحياء الجهاد كان مشروعا سياسيا معقدا نشأ في سياق الفشل العسكري والانقسام السياسي بين الإمارات الإسلامية، وأن عماد الدين زنكي استطاع تحويل الهزائم إلى عنصر تعبئة، وصاغ خطابا جهاديا جمع القبائل والعسكر حول هدف مشترك، ناقلا الجهاد من «فريضة غائبة» إلى أساس لبناء الدولة.
المشروع طوره نور الدين زنكي، وحوله من حركة عسكرية إلى منظومة شاملة للإصلاح السياسي والاجتماعي، ودعم شرعية حكمه عبر إنشاء المدارس والمستشفيات، وتوحيد المرجعية القضائية والفقهية ضمن إطار سني يعزز الاستقرار السياسي، واعتماد الرمزية الدينية والتعبئة الخطابية لإرساء ثقافة جهادية واسعة. وفي الوقت ذاته استخدم الجهاد أداة لإعادة تشكيل الولاءات، بديلا عن الروابط القبلية والعرقية، ما مكن الزنكيين من تفكيك التحالفات المتنافسة بين الإمارات الإسلامية واستقطاب عناصر جديدة إلى المشروع العسكري. الزنكيون، كذلك، صاغوا نموذجا مركبا يجمع بين التوسع العسكري وحماية المجال الإسلامي، رابطين بين الجهاد والبنية الاقتصادية والعسكرية للدولة، فيوثق الكتاب دور نظام الإقطاعات العسكرية، والتحكم بطرق التجارة، وتطوير تقنيات الحصار، في تمويل المشروع الجهادي وتعزيزه.
نجاح الزنكيين تعزوه الباحثة إلى مرونتهم التكتيكية وقدرتهم على الجمع بين القوة العسكرية والتعبئة الشعبية الدينية، لتخلص إلى أن الجهاد الزنكي لم يكن مجرد رد فعل على الحملات الصليبية، بقدر ما هو مشروع متكامل لبناء الدولة، جمع بين العسكرة المنظمة والشرعية الدينية والإصلاح الاجتماعي والتوحيد الجغرافي، وهو النموذج الذي مهد لاحقا لصعود صلاح الدين الأيوبي وتحرير القدس.
تركز الباحثة على قدرة المجتمعات على التكيف والاستمرار رغم الصراع، وتناقش دور العلماء والمؤسسات الدينية، والبيروقراطية الإدارية، والحياة المدنية في المدن الإسلامية، لتبين أن المجتمع الإسلامي لم يكن في حالة انهيار دائم كما قد توحي بعض السرديات العسكرية، بل امتلك بنية مؤسسية قادرة على الاستمرار وإعادة تنظيم نفسها. وتؤكد أن المؤسسات التعليمية والقضائية والإدارية استمرت في أداء وظائفها، مشكلة أحد عوامل الصمود الحضاري في مواجهة التحدي الصليبي.
وتقدم الباحثة تحليلا لتطور التكتيكات القتالية وأنظمة الإمداد والتموين والأسلحة المستخدمة، مع إجراء مقارنة دقيقة بينها وبين الأساليب العسكرية الصليبية، خالصة إلى أن الكفاءة العسكرية الإسلامية لم تكن ثابتة، بل تطورت تدريجيا عبر التعلم من التجربة ومن الخصم نفسه.
وتوسع الباحثة التحليل ليشمل الأبعاد الثقافية والنفسية للصراع، فالدعاية الدينية وخطب المساجد والشعر الحماسي وبناء المدارس لعبت دورا مهما في نشر فكرة الجهاد وتعزيز الروح المعنوية بين العامة. وتشير إلى أن النصر الإسلامي لم يكن نتيجة تفوق عسكري فحسب، بل ثمرة مشروع ثقافي وأيديولوجي متكامل نجح في تعبئة المجتمع وتوحيد رؤيته للصراع، بحيث أصبح ما يمكن تسميته بـ»الجهاد الثقافي» مكملا ضروريا للجهاد العسكري.
الباحثة تستكشف نظرة المسلمين للصليبيين، والصور الذهنية التي تشكلت عنهم في المصادر الإسلامية من خلال تحليل كتابات مؤرخين مثل عماد الدين الأصفهاني وأسامة بن منقذ وابن الأثير، لتبين أن النظرة الإسلامية تشكلت تدريجيا عبر مراحل الصراع الطويل، بادئة بصدمة الغزو، ثم الفهم والتصنيف، لتنتهي بمرحلة التحرير وإعادة تقييم التجربة، وهي نظرة مركبة تفسر كيف انتقل العالم الإسلامي من صدمة الغزو إلى بناء فهم إستراتيجي للخصم مكنه من استعادة المبادرة.

ـ الغد

مواضيع قد تهمك