م. عياده الحسبان : "من راية الثورة إلى صوت الحاضر.. الموقف الهاشمي سياج فلسطين وبوصلة الكرامة التي لا تنكسر"
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ الأمة، لا يكون الموقف مجرد خيار، بل اختبارًا حقيقيًا لضمير الشعوب وقياداتها. واليوم، ومع إعادة طرح ما يُسمّى بـ"قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين"، تتجدد هذه اللحظة، ليس بوصفها حدثًا عابرًا، بل كعنوانٍ صارخٍ لصراعٍ بين العدالة والقوة، بين الحق ومحاولات طمسه تحت مظلة التشريع.
غير أن قراءة هذا المشهد لا تكتمل إلا بالعودة إلى الجذور؛ إلى ذلك التاريخ الذي لم يكن يومًا منفصلًا عن فلسطين، ولا مترددًا في نصرتها. فمنذ أن رفع الشريف الحسين بن علي راية الثورة العربية الكبرى، لم تكن فلسطين قضية بعيدة، بل كانت في صميم الوجدان الهاشمي، بوصفها عنوانًا للكرامة العربية، وجزءًا لا يتجزأ من معركة التحرر والهوية.
ثم جاء عهد الملك المؤسس عبدالله الأول، الذي جسّد وحدة المصير قولًا وفعلًا، وجعل من القدس أولوية سياسية وتاريخية، مؤمنًا بأن الدفاع عنها ليس خيارًا، بل واجبًا. واستمر هذا النهج في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال، الذي حمل القضية في أصعب مراحلها، وواجه التحديات بثبات، مؤكدًا أن الأردن لا يمكن أن يكون إلا في صف الحق.
واليوم، يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني هذا الإرث بثباتٍ يليق بتاريخٍ لم ينقطع، فصوته في المحافل الدولية ليس امتدادًا لموقفٍ آني، بل هو صدى لمسيرة طويلة من الالتزام الهاشمي تجاه فلسطين والقدس. ففي كل خطاب، يضع جلالته العالم أمام مسؤولياته، مؤكدًا أن العدالة لا يمكن أن تُجزّأ، وأن الحقوق لا تُمنح بل تُصان.
لقد كان موقف جلالته من غزة شاهدًا حيًا على هذا الثبات؛ حيث لم يتردد في توصيف المأساة كما هي، ورفع صوته عاليًا مطالبًا بوقف العدوان، وحماية المدنيين، ورفض أي محاولات لتجاوز القانون الدولي أو الالتفاف عليه. وهو بذلك لا يعبر عن موقف دولة فحسب، بل عن ضمير أمةٍ كاملة.
إن الحديث عن قوانين تستهدف حياة الأسرى، وتُشرعن إعدامهم، لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع من الانتهاكات. وهو ما يجعل من رفض هذه الطروحات موقفًا أخلاقيًا وتاريخيًا، يتسق مع مسيرة لم تعرف التراجع.
غير أن قوة الموقف لا تكتمل إلا حين يلتف الشعب حول قيادته. فالوطن، في جوهره، ليس حدودًا، بل وحدة موقف. وحين يلتقي التاريخ مع الحاضر، وتلتقي القيادة مع شعبها، يصبح الصوت واحدًا، لا يتردد ولا ينكسر.
من هنا، فإن الوقوف خلف جلالة الملك في مواقفه تجاه القضية الفلسطينية، هو امتداد طبيعي لهذا التاريخ، وتجسيد حيّ لمعنى الانتماء. هو موقف يقول بوضوح: إننا مع الحق، ومع قيادتنا حين تنحاز إليه، وضد كل تشريع يسلب الإنسان حقه في الحياة والكرامة.
إنها ليست مجرد دعوة للهتاف، بل دعوة لوعيٍ متجذّر، يدرك أن "نحن مع جلالة الملك" ليست عبارة تُقال، بل موقف يُعاش، ومسؤولية تُحمل، وصوتٌ حين يرتفع… يُسمع.
في زمنٍ تتبدل فيه المواقف، يبقى الهاشميون على عهدهم، ويبقى الأردن ثابتًا في خندقه، لا يغيّر بوصلته، ولا يتخلى عن قضيته.
رحم الله الشهداء،
وحفظ الأردن قويًا بوحدته، ثابتًا بقيادته،
وسندًا لا يتراجع عن نصرة الحق.
بقلم المهندس عياده الحسبان
رئيس لجنة بلدية سحاب
ـــ الراي