الأخبار

أ. د. امجد الفاهوم : المنسف… حين تتحوّل المائدة إلى وطن

أ. د. امجد الفاهوم : المنسف… حين تتحوّل المائدة إلى وطن
أخبارنا :  

حينما نبدأ الحديث عن المنسف، فلا نبدأ بطبقٍ من الطعام، بل بذاكرةٍ حيّة تتوارثها الأجيال، وبهويةٍ تتجسّد في تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين. فالمنسف ليس مجرد وجبة تُقدَّم، بل طقسٌ اجتماعي وثقافي يختزل تاريخ المكان وروح الإنسان، ويعبّر عن قيم الكرم والانتماء والتكافل التي شكّلت ملامح المجتمع الأردني عبر قرون.

تعود جذور المنسف إلى البادية الأردنية، حيث تشكّل في بيئةٍ قاسية فرضت على الإنسان أن يبتكر غذاءً يجمع بين القيمة الغذائية العالية والقدرة على الحفظ والتخزين. فكان اللبن المجفف، "الجميد”، العنصر الأساسي، بوصفه نتاجًا متقنًا لخبرة الإنسان البدوي في التعامل مع الطبيعة. وقد شكّل هذا الجميد، المصنوع من حليب الأغنام، العمود الفقري للمنسف؛ إذ يُطهى مع اللحم ويُسكب بسخاء فوق الأرز أو خبز الشراك، في مشهدٍ يجمع بين البساطة والعمق.

ومع انتقال المنسف من البادية إلى القرى ثم المدن، لم يفقد جوهره، بل اكتسب تنوعًا يُغني حضوره ويؤكد مرونته الثقافية. ففي شمال الأردن، يُلاحظ الميل إلى استخدام الأرز بكميات أوفر، بينما في بعض مناطق الجنوب يُحافظ على تقديمه مع خبز الشراك بشكلٍ أكثر تقليدية. أما اللحم، فغالبًا ما يكون من الضأن، مع اختلافاتٍ بسيطة في طرق الطهي والتتبيل، لكنها جميعًا تلتقي عند النكهة الأصيلة التي لا تخطئها الحواس.

تتجلّى أهمية المنسف في كونه أكثر من طعام، بل لغةً اجتماعية قائمة بذاتها. فهو حاضرٌ في الأفراح إعلانًا للفرح الجماعي، وحاضرٌ في الأتراح تعبيرًا صادقًا عن التضامن والمواساة. كما يُقدَّم في المناسبات الوطنية والزيارات الرسمية، فيتحول إلى رمزٍ يعكس صورة الأردن أمام ضيوفه، ويُجسّد كرم شعبه وأصالته.

ويمتد أثر المنسف ليشكّل أحد أهم أدوات التماسك الاجتماعي، إذ تُقام حوله "الجاهات” و"الولائم” التي تُحلّ بها الخلافات وتُعقد بها المصالحات. فحين يجتمع الناس حول صحنٍ واحد، تتلاشى الفوارق، وتُختصر المسافات، ويعلو صوت القيم المشتركة على أي اختلاف. وفي هذا المشهد، لا يكون الأكل هو الغاية، بل المشاركة هي الرسالة، والتآلف هو النتيجة.

ولعلّ أكثر ما يميّز المنسف طقوسه؛ من طريقة تقديمه في "السدر”، إلى الوقوف حوله، إلى استخدام اليد اليمنى في تناول الطعام، وهي تفاصيل تُعيد إنتاج منظومةٍ من القيم، حيث الاحترام والتكافل والتنظيم الاجتماعي غير المكتوب. حتى توزيع اللحم يحمل دلالاتٍ رمزية، تعكس مكانة الضيف وتُبرز عناية المضيف وكرمه.

وفي السياق الوطني، أصبح المنسف أحد أبرز رموز الهوية الأردنية، حتى غدا سفيرًا غير رسمي للأردن في المحافل الدولية. وقد أُدرجت عناصر مرتبطة به ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي، تأكيدًا على قيمته بوصفه إرثًا إنسانيًا يتجاوز حدود الجغرافيا. وتشير دراسات التراث الغذائي إلى أن الأطعمة التقليدية، مثل المنسف، تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الانتماء الوطني والحفاظ على الهوية الثقافية في ظل العولمة المتسارعة.

يبقى المنسف، في جوهره، حكاية شعب تُروى بلا كلمات، وتُحفظ في الذاكرة الجمعية عبر الأجيال. هو لحظة التقاء بين الماضي والحاضر، بين البساطة والكرامة، بين الفرد والجماعة. وحين يجتمع الأردنيون حوله، لا يجتمعون على طعامٍ فحسب، بل على معنى الوطن ذاته؛ وطنٍ يتّسع للجميع، وتجمعهم فيه مائدة واحدة، وقلبٌ واحد، وهويةٌ لا تنكسر.

مواضيع قد تهمك