د. انس عضيبات : المقبرة الرقمية: هل تواري "السيلفي" جثامين ذكرياتنا الحقيقية؟
في دهاليز السحب الإلكترونية المظلمة، ترقد مليارات اللقطات التي استلبناها من الزمن، صورٌ لأطباقٍ تلاشت نكهتها، وآلاف الوجوه "السيلفي" بزوايا هندسية مكررة، وتوثيقٌ لغروب شمسٍ لم يشاهده أصحابه إلا عبر عدسة ضيقة ونحن نعيش "عصر التضخم البصري"، حيث تُشيّد التكنولوجيا أكبر مقبرة رقمية في التاريخ، لندفن فيها لحظاتنا الحقيقية تحت ركامٍ من البيانات الصامتة.
لقد تحولت الهواتف الذكية من أدوات للتوثيق إلى "ثقوب سوداء" تلتهم الحاضر إننا نعاني من وهمِ امتلاك الذاكرة؛ فامتلاك عشرة آلاف صورة لا يعني استحضار عشرة آلاف ذكرى، بل يعني ضياع "اللحظة الجوهرية" في زحام التفاصيل الهامشية، حيث تشير الدراسات إلى ظاهرة "النسيان الناتج عن التصوير"، حيث يفوض الدماغ مهمة الحفظ للكاميرا، فيسترخي النظام الإدراكي عن تسجيل المشاعر والروائح والترددات الصوتية، مكتفياً بـ "إيصال أمانة" رقمي لا روح فيه.
إن هيمنة الـ "سيلفي" ليست مجرد نزعة عابرة، بل هي إزاحةٌ قسرية للواقع لصالح الأنا ولقد توقفنا عن تأمل جماليات العالم من حولنا، وأصبح المكان والحدث مجرد "خلفية طفيلية" لخدمة صورتنا الشخصيةونحن لا نوثق التاريخ، بل نصنع "بروباجندا" شخصية؛ نعدل وجوهنا بالفلاتر، ونزيف ابتساماتنا لنلائم معايير المنصات، حتى ينتهي بنا الأمر أمام أرشيفٍ لغرباء يشبهوننا، في حياةٍ لم نعشها بصدق، بل أخرجناها بمهارة.
"إننا نغتال دهشة اللحظة الحاضرة لنتحايل على النسيان، والنتيجة هي ذكريات بلاستيكية تفتقر إلى النبض."
إن الخروج من هذه المقبرة الرقمية يتطلب "حمية بصرية" صارمة واستعادةً لسيادة الحواس، كما إن الذاكرة الحقيقية تُبنى في الاشتباك المباشر مع الحياة، لا في مراقبتها من خلف زجاج الهاتف. واستبدال عشر لقطات عابرة بنظرة تأمل واحدة قد ينقذ ذكرى من الاندثار.
إن أرقى أنواع التوثيق هو ذلك الذي يُنحت في الوجدان لا في شرائح السيليكون. ففي نهاية المطاف، لن تُسعفنا "اللايكات" في استعادة دفء لحظةٍ أضعناها ونحن نبحث عن الزاوية المثالية لتصويرها.
بعد كل هذا الضجيج الرقمي، هل تجرؤ على ترك هاتفك في
حقيبتك في اللحظة القادمة التي تشعر فيها بالانبهار، وتثق بأن ذاكرتك
"البشرية" وحدها كافية؟. ــ الراي