الأخبار

م. فواز الحموري : يرحلون وننتظر

م. فواز الحموري : يرحلون وننتظر
أخبارنا :  

نؤمن بالقدر خيره وشره، ونُسَلِّم بقضاء الله ونذعن لحكمه؛ تلقيتُ خبر وفاة زميلٍ وصديقٍ وأخٍ عزيز، هو المرحوم عصام كفاوين (أبو رامي)، بعد رحلةٍ طيبةٍ في نفوس من زاملوه، سواء في الحياة العسكرية أو المدنية، على حدٍّ سواء.

بعد التقاعد، كنتُ ألتقيه في مسجد ضاحية الروضة، حيث يسكن في المنطقة؛ كنا نتجاذب أطراف الحديث ونمضي على وعد اللقاء، لكنه رحل، وما زلتُ منتظرًا، على بُعد مسافةٍ ربما قبل الرحيل عن هذه الدنيا.

خبر الموت حق وصعب، ولكن سبحان الله، لا نشعر بالفقدان إلا بعد الفراق، تذكّرتُ ودونما مناسبة، من ذهبوا، وصادف أن زاملتهم بعلاقةٍ أخويةٍ ومهنية في وزارة التربية والتعليم، حيث مرّت صورهم أمامي، ومنهم: عبد الله حجازي، فوزي الخطبا، نعيم خشرم، عبد الرحيم سحيمات، م. فريال عقل، فريد الزواهرة، محمد الشياب، وفاء العبدلات، ابتسام الهنداوي، الدكتور عبد الكريم الدرايسة، وآخرون تتراوح ذكراهم بين حينٍ وآخر، ويطالها النسيان في أحيانٍ أخرى.

رحلة الحياة قصيرة جدًا؛ نحتاج بحق إلى ذاكرةٍ كبيرة الحجم لندون قوائم أسماءٍ ذهبت، لكنها لم تذهب بشهادة من زاملوهم وتعرّفوا عليهم عن قرب وبالمقابل، من ظلم وأساء لنفسه قبل الآخرين، فخسر الكثير لقاء كسب أشياء لم تكفِ أبدًا، أو تُجدي نفعًا على الأمد البعيد.

عندما كنتُ أسأل وأتبادل الحديث مع المرحوم عصام كفاوين (أبو رامي)، كان غالبًا ما يبتسم وينصحني بالابتسام والهدوء والأمل أيضًا؛ متواضعًا كان في تعامله، وظل يخصّني بالمعلومة والرقم الذي أريد، والذي تريده الجهات المانحة وللتقارير المطلوبة.

عالم الوظيفة غنيٌّ بمعرفة الناس على حقيقتهم عبر مواقفهم؛ نمضي في سباقٍ مع الزمن، نكسب ونخسر، ولكن ثمّة دفترًا، مثل سجل الدوام (القديم)، دوَّن الكثير عنا وعن حكاية وزارة التربية والتعليم فيما مضى من سنوات، كانت كافية للعديد من المحطات الغنية، هي الأخرى، بزملاء وزميلات تركوا أثرًا طيبًا في النفوس، مثلما طبعت محطاتٌ أخرى مواقف لإرضاء المسؤول فقط، لا غير.

أحيانًا، وعقب الاجتماعات المتأخرة بعد الدوام الرسمي، كانت مساحة وساحة وزارة التربية والتعليم تخلو من الجميع؛ وحيدًا كنتُ أتأمل المنظر قبل الوصول إلى البوابة الخارجية، وأتدبّر فيما صنعناه من أجل البلد والناس والطلبة على وجه الخصوص؛ ظلّ هذا السؤال في خاطري وضميري مؤرقًا حتى الآن.

بعد أن ذهبوا ورحلوا (وسوف نذهب بالتأكيد)، لماذا نشعر بأن الأمور بعد ذلك ليست بخير، وأن ثمّة فراغًا قد لا تستطيع المكاتب ومن يجلس وراءها سدَّه، جرّاء تلك العلاقة التي كان أصحاب المواقف يعلّموننا إياها؟

أسماء لم تذهب بعد، تركت في الذاكرة العديد من الآثار الطيبة التي لن تُنسى؛ ولكن بعد التقاعد والتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كم اكتشفتُ واكتشفنا، نحن وبعض الزملاء والزميلات، أن مسافات الوظيفة كانت تحجب الرؤية عن مواقفهم، وعندما قصرت المسافات، كانت الزمالة أصدق.

بين المكتب والميدان، والرقم والإحصاء، وإدارة التخطيط والبحث التربوي، ومركز الملكة رانيا لتكنولوجيا المعلومات، وبين معسكرات ووحدات الجيش، وبين أحفاده وحفيداته، وبين لقاءاتنا، قضى المرحوم وأتمّ وقته في هذه الدنيا، وحمل أمانةً كبيرة توّجها بطيب معاملة الناس وبِلُطفٍ أصيل؛ ولعل حديثنا لم يكتمل أكثر من مرة في ممر وزارة التربية والتعليم الطويل، ذلك الذي مرّ خلاله الكثيرون، فيما لا يزالون حتى الآن يركضون بملفاتهم المنجزة وتلك المؤجلة على حدٍّ سواء.

رحمك الله يا أبا رامي وغفر لك، يا من ذهبت أبعد من حدود جهاز الحاسوب إلى مسكنٍ عند الرحمن الرحيم؛ فنِعم المثوى والمصير، ذهبت بمعية من رحلوا، ونحن ما زلنا ننتظر اللقاء، وربما ذكريات لا تغيب لمن بعدنا، لربما!.

مواضيع قد تهمك