فهد الخيطان : الفشل يجلب الكارثة
الفشل في تحقيق أهداف الحرب على إيران، كان باهظا على الجميع، وستبقى المنطقة والعالم يدفعان ثمنه لفترة طويلة، حتى لو توقفت غدا.
منذ ذلك الوقت الذي أصبحت فيه الحرب هي الهدف، بدا واضحا أن جولات التفاوض
لم تكن سوى غطاء لتبرير قرار الهجوم على إيران. والأمر المثير حقا والذي لم
يكن جليا كما هو في الوقت الحالي، أن الطرفين؛ الأميركي والإيراني،
ينخرطان في لعبة يعرفان سلفا نهايتها. كل طرف حرص على أن يبرر قراره
بالمواجهة قبل وقوعها. الولايات المتحدة وضعت شروطا قاسية، وإيران رفضت
الخضوع لما وصفته بالطلبات التعجيزية.
إسرائيل وحدها كانت على ثقة بأن المفاوضات ستفشل، ولهذا استعدت للحرب منذ
أشهر طويلة. كانت تريدها جولة حاسمة تنهي ما بدأته في حرب الـ12 يوما، ولم
يتسن لها إكماله.
لم يكن لهذه الحرب سوى هدف واحد في الحقيقة، مهما حاولت واشنطن وتل أبيب
ادعاء غير ذلك. الهدف إسقاط نظام المرشد في طهران. قاله ترامب في خطاب
إعلان الحرب، وردده نتنياهو من بعده بساعات. لقد سقط المرشد فعلا في اليوم
الأول من القصف، ومعه لفيف من كبار القادة العسكريين والأمنيين. وفي الأيام
التالية في الهجوم، سقط آخرون من أبرز القادة. لكن ومع ذلك كله لم يسقط
النظام، واستمرت مؤسساته المدنية والعسكرية تعمل بشكل طبيعي. وكان لافتا
بحق ما أظهرته من قدرات على ضرب أهداف أميركية وإسرائيلية، وخليجية، وبشكل
متصاعد، وتنسيق عمليات متزامنة مع حزب الله في لبنان، الذي فتح جبهة قوية
مع إسرائيل.
الفشل في إسقاط النظام الإيراني، هو ما دفع بإدارة ترامب وحكومة نتنياهو،
إلى توسيع دائرة الأهداف في إيران، وضرب بنى تحتية مدنية وعسكرية ونووية،
ومنشآت طاقة وقطاعات صناعية واسعة.
قيل في هذه المرحلة من الحرب أن الهدف ليس إسقاط النظام بل القضاء على
القدرات النووية والصاروخية لإيران. أما التخلص من النظام فهو متروك للشعب
الإيراني.
لم يكن ذلك الادعاء سوى مداراة للإخفاق في تحقيق الهدف الرئيسي الذي وعد
نتنياهو إدارة ترامب بتحققه في جولة أولى ساحقة من القصف، وفق ما ذكرت
تقارير استخبارية تسربت لوسائل إعلام أميركية.
تعميق الهجوم الجوي على إيران، جلب معه ردا مماثلا من طرف طهران، التي وسعت
دائرة النار في الخليج العربي، ونالت من أهداف أميركية "طائرت، وقواعد"
وضربت بدقة غير متوقعة أهدافا عسكرية وحيوية في قلب إسرائيل المحصنة بطبقات
من أنظمة الدفاع الجوي.
ليس بمقدور إيران أن تنتصر عسكريا على أقوى قوتين في العالم والإقليم.
النصر بتعريف طهران هو صمود النظام، ومواصلة إطلاق الصورايخ والمسيرات بنفس
القدرة، وإبقاء جبهات الأذرع مشتعلة حول إسرائيل.
بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، تعويض الفشل بسقوط النظام، يكون بتحطيم قدرات
إيران في كل القطاعات. حرب تدمير شاملة، يغرق بعدها النظام بخسائر فادحة،
يعجز معها عن تهديد إسرائيل. أفضل من يعبر عنها بلغة استعراضية الرئيس
الأميركي، بمنشوراته الجنونية.
تصلب مواقف الطرفين، والإصرار على تسجيل نصر بالنقاط، هو الذي يحرك ماكينة
الحرب، أوضحه من الجانب الأميركي الإسرائيلي، قبل الإيراني.
هذا هو بالضبط سلوك الأطراف المتحاربة، عندما لا تتمتع بشجاعة الاعتراف
بالفشل، فتنجر لصراع دام، وكارثي، تدفع أكلافه شعوب المنطقة ودولها، ومن
بعدها العالم، المثقل بأسعار الطاقة والغذاء.