الأخبار

شيرين قسوس تكتب : ميتافيزيقا القمع

شيرين قسوس تكتب : ميتافيزيقا القمع
أخبارنا :  

كتبت شيرين قسوس

ليس أخطر ما تعرّض له الإنسان عبر تاريخه أنه جُوِّع أو أُخضع أو أُرهق، بل أن يُعاد تشكيل إحساسه بما هو طبيعي إلى حدٍّ يجعله يشكّ في أبسط تعبيراته. فالجوع يمكن مقاومته، والقيد يمكن كسره، لكن حين يُقنع الإنسان بأن روحه نفسها تحتاج إلى تقويم، وأن عفويته خلل، وأن خفّته نقص، فإن السيطرة تبلغ أعمق طبقاتها وأكثرها خفاءً.
الضحك، في هذا السياق، ليس مجرد ظاهرة نفسية أو انعكاس لحالة مزاجية، بل هو انكشاف مفاجئ لحقيقة الوجود قبل أن تُثقله التفسيرات. إنه اللحظة التي تتوقف فيها الذات عن كونها مشروعاً أخلاقياً أو اجتماعياً، وتعود لتكون حدثاً حياً، عارياً من كل وظيفة. ولذلك يبدو الضحك، في عمقه، فعلاً غير قابل للإدماج الكامل في أي نسق: لا أخلاقي، ولا ديني، ولا سياسي. إنه دائماً فائض عن الحاجة، زائد عن النظام، ومربك له.
ولهذا السبب تحديداً، لم يكن استهدافه مباشراً في الغالب، بل التفافياً. لم يُمنع الضحك بقدر ما أُعيد تأطيره: صار مقبولاً بشروط، وفي سياقات محددة، وتحت رقابة غير مرئية. ضحكٌ لا يخلّ بالهيبة، لا يكسر الصورة، لا يهدد المعنى. وهكذا، تحوّل من فعل تحرري إلى سلوك مُهذّب، من انفجار إلى إيماءة.
غير أن المسألة أعمق من مجرد تهذيب سلوك. إنها تتعلق بإنتاج إنسان قادر على الانفصال عن جسده دون أن يشعر. فالضحك الحقيقي حدث جسدي بامتياز: يهزّ الصدر، يربك التنفس، يربط الداخل بالخارج في إيقاع لا يمكن ضبطه بالكامل. وعندما يُقمع هذا الإيقاع، لا يُقمع تعبير واحد فحسب، بل يُعاد تنظيم العلاقة بين الإنسان وجسده كله. يصبح الجسد مساحة ينبغي ضبطها، لا الإصغاء إليها؛ شيئاً يُدار، لا يُعاش.
ومن هنا يتولّد نوع خاص من الوعي: وعي ثقيل، متماسك ظاهرياً، لكنه مفصول عن منابعه الحيوية. وعي يراقب نفسه باستمرار، ويُقيّم انفعالاته، ويخشى الانفلات أكثر مما يخشى الجمود. في هذا الوعي، لا يعود الحزن مجرد استجابة لحدث، بل يتحول إلى بنية دائمة، إلى خلفية صامتة تُكسب كل شيء مسحة من الجدية المفرطة. وكأن الإنسان يُطالَب بأن يكون على قدرٍ دائم من التوتر الوجودي، حتى في غياب السبب.
هذا الثقل لا يُفرض دائماً بالقوة، بل يُغرس كقيمة. يُمدح الإنسان لأنه "رصين”، لأنه "عميق”، لأنه لا يضحك كثيراً. ومع الوقت، يتماهى مع هذا التقدير، ويعيد إنتاجه داخلياً، حتى يصبح الحارس على نفسه. هنا تبلغ السلطة ذروتها: حين لا تعود بحاجة إلى أن تُمارَس، لأنها أصبحت جزءاً من بنية الذات ذاتها.
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، يبقى في الإنسان شيء عصيّ على الترويض الكامل. شيء يظهر فجأة، بلا إذن، في لحظة انكسار في النظام الداخلي: ضحكة غير متوقعة، غير لائقة ربما، لكنها حقيقية. في تلك اللحظة، لا يُعبّر الإنسان عن موقف، بل ينكشف ككل. يسقط عنه العبء، ولو لثوانٍ، ويخرج من الدور الذي أُسنِد إليه، ليعود إلى حالة أسبق من كل الأدوار.
هذه اللحظات، على هشاشتها، تكشف أن ما يبدو صلباً في الداخل ليس كذلك تماماً. أن البنية التي تحمل كل هذا الثقل قابلة للتصدع، لا بالعنف، بل بخفّة مفاجئة. وكأن الحياة نفسها، في أعمق طبقاتها، لا تتوافق تماماً مع الجدية المطلقة التي يُراد فرضها عليها.
لذلك، فإن المسألة ليست في الدفاع عن الضحك بوصفه نقيض الحزن، بل بوصفه اختراقاً له. ليس بديلاً عنه، بل كسرٌ لاحتكاره. فالإنسان الذي لا يضحك لا يصبح أكثر وعياً، بل أكثر انغلاقاً داخل تفسير واحد للعالم. أما الذي يحتفظ بقدرته على الضحك، حتى في أقسى لحظاته، فهو لا ينكر الألم، بل يرفض أن يتحول إلى شكله الوحيد.
ربما لهذا يبدو الضحك، في جوهره، أقرب إلى فعل استعادة منه إلى فعل تعبير: استعادة لشيء لم يُفقد تماماً، لكنه دُفن تحت طبقات من المعنى المفروض. استعادة لإمكانية أن يكون الإنسان أقل تماسكاً، لكن أكثر صدقاً؛ أقل انضباطاً، لكن أكثر حضوراً.
وفي عالم يُكافئ الصلابة ويخشى الانفلات، قد لا يكون الضحك مجرد راحة عابرة، بل إحدى آخر العلامات على أن الروح لم تُستكمل هندستها بعد.

عرفتوا ليش "الضحك بدون سبب من قلة الادب"؟!

مواضيع قد تهمك