الأخبار

د. محمد رسول الطراونة : أرواح تتهاوى تحت المآزر البيضاء

د. محمد رسول الطراونة : أرواح تتهاوى تحت المآزر البيضاء
أخبارنا :  

ظاهرة انتحار أطباء المستقبل والأطباء المقيمين لم تعد مجرد أرقام عابرة، بل وصمة عار في جبين المنظومة الصحية العالمية. في صباح أحد الأيام، دخل طالب طب في عامه الأخير إلى إحدى قاعات المحاضرات حاملاً حقيبته كعادته، لكنه كان قد اتخذ قراراً مصيرياً قبل ساعات. بعد انتهاء المحاضرة، اختفى عن الأنظار، وفي اليوم التالي عُثر عليه جثة هامدة. هذه القصة ليست خيالية، بل واحدة من آلاف القصص الحقيقية التي تتكرر بصمت في كليات الطب والمستشفيات حول العالم، إذ تشير الدراسات العالمية إلى أن معدلات الانتحار بين طلاب كليات الطب والأطباء المقيمين أعلى بنسبة تتراوح بين 2 إلى 5 أضعاف مقارنة بعامة السكان من نفس الفئة العمرية. ففي الولايات المتحدة وحدها، يموت ما بين 300 إلى 400 طبيب سنوياً بسبب الانتحار. والأكثر إثارة للصدمة أن ما يقرب من ربع طلاب الطب يعانون من الاكتئاب السريري، وواحد من كل عشرة يفكر جدياً في إنهاء حياته.

 

لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في سبب واحد، بل هي نتاج تراكمي لعوامل معقدة تبدأ منذ اليوم الأول في كلية الطب. فالطالب يواجه كميات هائلة من المعلومات تفوق قدرة أي إنسان على استيعابها طبيعياً، مع نظام تقييم قاسٍ يجعل المنافسة شرسة ويدفع الكثيرين إلى حدود الانهيار. لعل من هذه الأسباب: ضغوط الدراسة الأكاديمية حيث المناهج المكثفة، ساعات الدراسة التي تصل إلى 12-14 ساعة يومياً، الامتحانات المتتالية، والمذاكرة طوال أيام الأسبوع دون توقف كافٍ، كل ذلك يخلق بيئة سامة تستهلك الطاقة النفسية والجسدية للطلاب.

الاحتراق الوظيفي (Burnout): هذا المصطلح الذي كان حكراً على عالم الأعمال أصبح واقعاً يومياً لطلاب الطب والأطباء المقيمين ويتجلى الاحتراق في ثلاثة أبعاد: الإرهاق العاطفي الشديد، تبدد الشخصية (الشعور باللامبالاة تجاه المرضى)، والشعور بعدم الإنجاز الشخصي. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 50% من الأطباء المقيمين يعانون من متلازمة الاحتراق في مرحلة ما من تدريبهم.

ومن الأسباب أيضاً ثقافة الكمال والوصمة الاجتماعية عندما يفرض المجتمع الطبي على أعضائه ثقافة "الطبيب الخارق" الذي لا يخطئ ولا يمرض ولا ينهار، هذه الثقافة تجعل طلب المساعدة النفسية علامة ضعف لا تغتفر، مما يدفع الأطباء إلى كبت معاناتهم والتظاهر بالقوة حتى تنهار جدرانهم الداخلية. وكذلك ساعات العمل الطويلة والحرمان من النوم، غالباً يعمل الأطباء المقيمون 80-100 ساعة أسبوعياً مع فترات نوم لا تتجاوز 3-4 ساعات يومياً. هذا الحرمان المزمن من النوم يؤثر مباشرة على الصحة النفسية ويقلل القدرة على التكيف مع الضغوط. كما لا يفوتنا ذكر التعرض المستمر للموت والمعاناة: حيث يواجه الأطباء يومياً حالات موت، آلام، معاناة، وفشل في العلاج، هذا التراكم للمشاهد الصادمة دون معالجة نفسية مناسبة يؤدي إلى اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) والاكتئاب.

معرفة الأسباب ليست كافية؛ المطلوب تحرك جاد على عدة مستويات: أولها تغيير ثقافة التعليم الطبي: يجب إعادة هيكلة المناهج الدراسية لتكون أقل كثافة وأكثر إنسانية، الاقتراحات تشمل تقليل ساعات المحاضرات النظرية، إدخال مواد الصحة النفسية كجزء أساسي وليس تكميلي، وتصميم جداول دراسية تسمح بفترات راحة كافية. وثانيها إنشاء برامج دعم نفسي سرية: تحتاج كليات الطب والمستشفيات إلى عيادات نفسية متخصصة للأطباء والطلاب، تكون مجانية تماماً وسرية مطلقة، بحيث لا تصل أي معلومة إلى لجان التقييم أو الإدارة. كما يجب تطبيق برامج التوعية لإزالة وصمة العار حول طلب المساعدة النفسية. ثالثها مراجعة نظام العمل للأطباء المقيمين: ضرورة تطبيق قوانين تحد من ساعات العمل القصوى (مثلاً 60 ساعة كحد أقصى أسبوعياً)، وضمان يوم أو يومين راحة أسبوعياً، وتوفير فترات نوم إجبارية أثناء المناوبات الطويلة. رابعها إدخال برامج المرونة النفسية: تدريب الطلاب والأطباء على مهارات التكيف مع الضغوط، إدارة الوقت، التأمل، واليقظة الذهنية (Mindfulness) كجزء من المنهج الأساسي وليس كأنشطة ثانوية. خامسها نظام الإرشاد والدعم: المتمثل في إنشاء نظام توجيه (Mentorship) حيث يرتبط كل طالب أو طبيب مقيم بمشرف نفسي وأكاديمي يتابع حالته بانتظام، ويخلق مساحة آمنة للتحدث عن التحديات دون خوف من العقاب. سادسها إجبارية الإجازات: بعض المؤسسات الصحية حول العالم بدأت بتطبيق سياسة الإجازة الإجبارية حيث يُلزم الأطباء بأخذ إجازات منتظمة لا يمكن التنازل عنها، وقد أثبتت هذه السياسة فعاليتها في خفض معدلات الاحتراق.

خاتمة الكلام: إنقاذ الأرواح يبدأ من إنقاذ أطبائها، نحن نواجه مفارقة مأساوية، أولئك الذين يُفترض بهم حماية صحتنا النفسية والجسدية هم الأكثر عرضة للانهيار والانتحار. لقد حان الوقت لنفهم أن الطبيب أو الطالب المنهك نفسياً لا يمكنه تقديم رعاية جيدة للمرضى. إنقاذ أرواح الأطباء والطلاب ليس رفاهية، بل ضرورة أخلاقية ومهنية. كل طبيب ينهي حياته هو فشل جماعي لمنظومة بأكملها، الأرواح التي تُنقذ يومياً في غرف العمليات والعيادات تبدأ بأرواح الأطباء أنفسهم، فإذا لم نحمِهم، فمن يحمي بقيتنا؟

أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

مواضيع قد تهمك