القس سامر عازر يكتب : مفتاح سرّ الحياة
القس الأب سامر عازر
ربما يلامس هذا العنوان قلوب الكثيرين، لأننا في مسيرة حياتنا لا نتوقف عن البحث عن مفاتيح النجاح ومفاتيح السعادة ومفاتيح المعنى الحقيقي للحياة. فالمفتاح، بطبيعته، يفتح أبوابًا مغلقة، تقف خلفها كنوز الحكمة والمجد والطمأنينة. لكن السؤال الجوهري يبقى: ما هو مفتاح الحياة الحقيقي؟
في زحمة الإجابات البشرية، يأتي صوت السيد المسيح واضحًا وصريحًا، لا لبس فيه: هناك مفتاح واحد للحياة. ليس مفتاح القوة المجردة، ولا الثراء، ولا النفوذ، بل مفتاح البذل والعطاء والتضحية، بل وأحيانًا الألم والموت. هذا المفتاح الذي قد يبدو في منطق العالم ضعفًا، هو في منطق الإنجيل المقدّس سرّ الحياة الحقيقية.
يعلمنا السيد المسيح أن "حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يو ٢٤:١٢). إنها صورة عميقة تختصر سرّ الوجود الإنساني: الحياة لا تُعطى لمن يتمسك بها بأنانية، بل لمن يبذلها بمحبة. وهنا تتلاقى الحكمة الإنجيلية مع ما قاله القديس أوغسطينوس: "إن أردت أن تحيا، فمت عن ذاتك."
وليس هذا التعليم حكرًا على الإيمان المسيحي فقط، بل تؤكده خبرة الإنسانية جمعاء؛ إذ يقول المهاتما غاندي: "أفضل طريقة لتجد نفسك هي أن تفقدها في خدمة الآخرين."، ويضيف ألبرت أينشتاين: "فقط الحياة التي نعيشها من أجل الآخرين هي حياة ذات قيمة."، أما نيلسون مانديلا فيلخّصها بقوله: "ما نفعله لأنفسنا يموت معنا، وما نفعله للآخرين يبقى ويخلد."
وهكذا تلتقي الحكمة الروحية مع التجربة الإنسانية في حقيقة واحدة: العطاء هو الطريق إلى الحياة.
من هنا نفهم أن كل إنجاز حقيقي، وكل نجاح أصيل، هو ثمرة تعب وجهد وعرق، بل ودموع أحيانًا. لا مجد بلا صليب، ولا قيامة بلا آلام. وطريق الحياة، كما يكشفه الإنجيل، ليس مفروشًا بالراحة، بل مغموسًا بالتحديات والتضحيات. غير أن هذه التضحيات ليست عبثية، بل خصبة، تثمر خيرًا للإنسان والمجتمع.
وفي بُعدنا الإنساني والوطني، نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذا المفتاح. فالأوطان لا تُبنى بالأنانية، بل برجال ونساء يحملون همّ الآخرين قبل ذواتهم. القائد الحقيقي ليس من يلمع في أوقات الرخاء، بل من يثبت في زمن الشدة، من يضع مصلحة شعبه فوق مصالحه، ويصون الأمانة التي أُعطيت له. لأن كل مسؤول لا يحمل في قلبه محبة الذين اؤتمن عليهم، إنما يقصّر أمام الله والناس.
في زمن الأزمات، تتكشف معادن البشر: هناك من يهرب لينجو بنفسه، وهناك من يبقى ليحمل الصليب مع الآخرين. الأول قد يظن أنه ربح حياته، لكنه يخسرها في العمق؛ أما الثاني، الذي يبذل ذاته، فهو الذي يزرع بذار الرجاء ويصنع فجرًا جديدًا.
كنسيًا، نحن مدعوون لنعيش هذا السر في عمق إيماننا. فالمسيحية ليست مجرد أقوال أو طقوس، بل هي حياة على مثال المسيح، حياة تُعطى من أجل الآخرين. الكنيسة الحية هي تلك التي تخدم، التي تتألم مع المتألمين، والتي تبقى أمينة لرسالتها حتى في أصعب الظروف، منتظرة مجد الآب السماوي الذي يكرّم كل أمانة صادقة.
إن مفتاح سرّ الحياة ليس خفيًا أو معقدًا، بل هو موضوع بين أيدينا: أن نحب حتى البذل، أن نعطي حتى التعب، وأن نؤمن أن كل تضحية صادقة، مهما بدت صغيرة أو مؤلمة، هي بذرة حياة جديدة.
هناك، في عمق العطاء، يولد المجد الحقيقي. وهناك، في سرّ البذل، نجد الحياة.