د. محمد حيدر محيلان : الأردن والتحولات والفرصة اللوجستية: خطة واقعية
استكمالًا لما تناولناه في المقال السابق حول فرص الأردن في الاستفادة من تحولات التجارة الإقليمية، يبرز اليوم سؤال عملي أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تحويل الموقع الجغرافي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة دون تحميل الموازنة أعباء استثمارية ضخمة؟ فالمنافسة في عالم التجارة لم تعد تقوم على امتلاك الموانئ الأكبر أو الطرق الأطول، بل على قدرة الدول على تقديم ممرات نقل أكثر كفاءة واستقرارًا وموثوقية. ومع التحولات المتسارعة في مسارات الشحن نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع كلف النقل والتأمين، بدأت شركات النقل الدولية تبحث عن بدائل عملية يمكن الاعتماد عليها. وفي هذا السياق يبرز الأردن بوصفه عقدة ربط إقليمية محتملة، غير أن تحويل هذه الإمكانية إلى واقع اقتصادي يتطلب خطة واقعية تتناسب مع محدودية الموارد المالية والإدارية.
إن بناء دور لوجستي فاعل لا يبدأ من مشاريع ضخمة، بل من تحسين كفاءة المنظومة القائمة. فالخطوة الأولى والأكثر تأثيرًا تتمثل في تقليص زمن التخليص والعبور. فشركات الشحن لا تقيس جدوى المسار بعدد الكيلومترات فقط، بل بسرعة الإجراءات وإمكانية التنبؤ بزمن الوصول. وتشير خبرات قطاع النقل إلى أن تقليص زمن العبور ولو ليوم واحد يمكن أن يخفض الكلف التشغيلية بصورة ملحوظة في بعض المسارات الإقليمية. ومن هنا فإن توحيد النوافذ الحكومية المعنية بالنقل والتخليص، وتبسيط الإجراءات، والتوسع في الحلول الرقمية، يمكن أن يمنح الأردن ميزة تنافسية حقيقية دون الحاجة إلى استثمارات مالية كبيرة.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في إعادة النظر إلى العقبة بوصفها نقطة انطلاق لسلسلة لوجستية داخلية متكاملة، لا مجرد محطة نهائية للبضائع. ويمكن تحقيق ذلك عبر إنشاء ساحات تنظيم وتخزين ومناولة منخفضة الكلفة بالقرب من عمّان والزرقاء والمفرق، بحيث يتم توزيع الضغط التشغيلي على أكثر من موقع، وتقريب الخدمات من مراكز الطلب والإنتاج. فالموانئ الجافة في هذا السياق ليست مشاريع استعراضية، بل أدوات تشغيلية تساعد على تسريع تدفق البضائع وخفض كلف النقل وتحسين كفاءة التوزيع.
وتكمن الخطوة الثالثة في تحسين إدارة الطرق القائمة بدل التوسع في مشاريع بنية تحتية جديدة ذات كلفة مرتفعة. فالأردن يمتلك شبكة ربط حيوية بين العقبة والداخل والحدود، إلا أن العائد الاقتصادي منها يتأثر أحيانًا بالاختناقات وضعف بعض الخدمات المساندة. ولذلك فإن تنظيم حركة الشاحنات، وتوفير مرافق الصيانة والاستراحة، ورفع معايير السلامة والخدمة على الطرق، يمكن أن ينعكس مباشرة على زمن الرحلة واستقرارها، وهو عامل مهم في قرارات شركات النقل الدولية عند اختيار المسارات.
وفي المرحلة التالية ينبغي التركيز على الخدمات ذات القيمة المضافة بدل الاكتفاء برسوم العبور. فالتخزين وإعادة التعبئة والتجميع والتوزيع والخدمات المالية والتأمينية المرتبطة بالنقل تمثل مصادر دخل إضافية ترفع مساهمة القطاع اللوجستي في الاقتصاد الوطني. وكلما توسع الأردن في تقديم هذه الخدمات، تحولت حركة الترانزيت من عبور جغرافي محدود الأثر إلى نشاط اقتصادي يسهم في تنشيط قطاعات التجارة والصناعة والخدمات.
كما أن الشراكة مع القطاع الخاص تمثل ركيزة أساسية في تنفيذ هذه الخطة. فالدور الحكومي يمكن أن يتركز في التنظيم وتسهيل الإجراءات وتوفير البيئة التشغيلية المناسبة، بينما يتولى المستثمرون تطوير خدمات النقل والتخزين والمناولة. هذا النموذج يخفف العبء المالي على الدولة ويتيح سرعة أكبر في التنفيذ، ويعزز الثقة لدى المتعاملين في السوق اللوجستية.
ولا يقل أهمية عن ذلك اعتماد خطاب اقتصادي واقعي في تسويق الأردن لوجستيًا، يقوم على تقديمه بوصفه ممرًا منظمًا ومستقرًا يخدم الشركات الباحثة عن مسارات عملية في منطقة تتسم بالتقلب. فالمصداقية في عرض الإمكانات تعد عنصرًا مهمًا في جذب الاستثمارات وبناء شراكات طويلة الأمد، كما أن وضوح الرؤية التنظيمية يعزز قدرة الأردن على المنافسة ضمن ممرات التجارة الإقليمية.
إن جوهر هذه الخطة يقوم على التحسين التدريجي ورفع كفاءة الإدارة قبل التوسع في الإنفاق، وعلى بناء الثقة التشغيلية قبل إطلاق المشاريع الكبرى. فالفرصة اللوجستية المتاحة للأردن اليوم ليست مرتبطة بحجم الاستثمار بقدر ما ترتبط بسرعة القرار وكفاءة التنفيذ. فالدول التي نجحت في التموضع ضمن مسارات التجارة العالمية لم تبدأ بالمليارات، بل بدأت بتحسين الإدارة وتقديم خدمات موثوقة تضيف قيمة حقيقية لحركة البضائع.
وبين الإمكانات المتاحة والتحديات الواقعية،
يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الأردن في الانتقال من موقع الاستجابة
للمتغيرات إلى موقع التأثير فيها. فالممرات التجارية لا تنتظر المترددين،
ومن يحسن التنظيم والتخطيط اليوم يضمن لنفسه موقعًا أفضل في خريطة الاقتصاد
الإقليمي غدًا. ــ الراي