الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : جورج طرابيشي ونقد العقل العربي

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : جورج طرابيشي ونقد العقل العربي
أخبارنا :  

بمجرد أن تتناول أحد كتب المفكر العربي السوري الراحل جورج طرابيشي، ستكتشف أنك لست أمام مؤرخ للتراث، بل أمام طبيب يشخص المرض بعناية ومن خلال بحث علمي دؤوب. طرابيشي سأل لماذا نراوح مكاننا كعرب بينما يتحرك العالم؟ ولماذا يسجننا الماضي كلما حاولنا القفز نحو المستقبل؟
ككثير من ابناء جيله، بدأ جورج طرابيشي مسيرته كقومي عروبي متحمس، لكن هزيمة 1967 كانت يمثابة الزلزال الفكري الذي دفعه لمراجعة كل المسلمات. وهنا انتقل الى الجانب النقدي واقتنع بأن مشاكلنا العربية ليست في نقص الموارد، أو في المؤامرات الخارجية، بل في "بنية العقل" التي نستخدمها للتفكير.
على مدى اكثر من مائتي مؤلف، اصيلة او مترجمة، اثرت المكتبة العربية والعالمية، قدم لنا طرابيشي اروع الادلة التي تساعدنا على مغادرة افكار الخصوصية والانعزالية، حيث رفض قبول الافتراضات بان للعرب عقلاً يختلف في تكوينه البيولوجي أو المنطقي عن عقل الاخرين. بالنسبة له، فان العقل أداة كونية، والفرق يكمن في منهجيات عمله وطرق استخدامه. فنحن نتاج تاريخ يمكن نقده وتفكيكه وإعادة بنائه. وهنا رفض طرابيشي "النرجسية الجريحة" التي نعاني منها كعرب حين نوغل في التغنى بأمجاد الماضي لنداري خيبات الحاضر، وحثنا على المصالحة الشجاعة مع الواقع.
من اهم منجزات جورج طرابيشي هو مشروع "نقد نقد العقل العربي"، والذي قام فيه بالرد على المفكر المغربي محمد عابد الجابري صاحب موسوعة "نقد العقل العربي" الشهيرة. وفي نقده للجابري، اكد طرابيشي على مفهموم "العقل المستقيل" لان مشكلة العالم العربي اليوم ليست في نقص الثقة بالنفس او فائضها، بل في "استقالة العقل" أمام اللاعقلانية. نحتاج ان ندرس اراء هذا المفكر الحكيم اليوم لنفهم كيف نعيد للعقل فاعليته في مواجهة موجات التسطيح الفكري او التطرف.
في عصر الاستقطابات الهائلة بين تيارات فكرية متصارعة، يبرز طرابيشي كنموذج للحداثة المتصالحة مع التراث، اذ انه دعا الى مراجعة الارث التراثي ونقده من الداخل، وفهمه كمنتج لعصره وفي سياقاته التاريخية والاجتماعية. وكأن طرابيشي يقول ان الحل ليس في الدعوة الى ديمقراطية عربية هشة وصناديق اقتراع موسمية، بل في تحرير العقول من كافة انواع الوصاية.
في زمن يتصاعد فيه خطاب "صراع الحضارات"، يذكرنا طرابيشي بأن الفكر الإنساني مشترك، وأن استيعاب فلسفة الآخر هو أول خطوة لإنتاج فلسفة ذاتية منيعة وقوية.

مواضيع قد تهمك