الأخبار

د. محمد الحدب : هل يمكن للأردن أن يتحول إلى ممر تجاري بين أوروبا والخليج؟

د. محمد الحدب : هل يمكن للأردن أن يتحول إلى ممر تجاري بين أوروبا والخليج؟
أخبارنا :  

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة والمخاوف بشأن أمن الملاحة، عاد النقاش حول هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتمادها على عدد محدود من الممرات البحرية. فالتجارة بين أوروبا والخليج تمر عبر مسارات طويلة تشمل مضيق هرمز وباب المندب ثم قناة السويس، وهي نقاط اختناق جيوسياسية قد تتأثر بأي توتر إقليمي.

يمر عبر قناة السويس نحو ١٢٪ من التجارة العالمية بقيمة تقارب تريليون دولار سنويًا، بينما يمر عبر مضيق هرمز نحو ٢٠٪ من تجارة النفط العالمية. وقد أظهرت حادثة إغلاق قناة السويس عام ٢٠٢١ مدى حساسية الاقتصاد العالمي لهذه الممرات، إذ تعطلت آنذاك تجارة تقدر بنحو ٩ مليارات دولار يوميًا.

في المقابل، يبلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي نحو ١٧٠–٢٠٠ مليار يورو سنويًا، تمر معظمها عبر الطرق البحرية التي تعبر قناة السويس والبحر الأحمر. ويبلغ طول المسار البحري من موانئ المتوسط إلى الخليج نحو ٦,٠٠٠–٦,٨٠٠ كيلومتر، ويستغرق عادة ١٢–١٦ يومًا.

هذه المعطيات تعيد طرح فكرة ممر بري مكمل يبدأ من الموانئ الأوروبية على المتوسط إلى الموانئ الجنوبية في تركيا، ثم عبر سوريا إلى الأردن ومنه إلى الخليج. فالمسافة البحرية من أوروبا إلى تركيا تبلغ نحو ١,٥٠٠–١,٩٠٠ كيلومتر وتستغرق ٣–٤ أيام، بينما تمتد الرحلة البرية عبر سوريا إلى الأردن لمسافة ٩٠٠–١,٠٥٠ كيلومترا خلال ٢–٣ أيام، ثم من الأردن إلى الخليج لمسافة ١,٢٠٠–١,٥٠٠ كيلومتر. وبذلك يمكن أن يتراوح زمن النقل الكلي بين ٧ و١٠ أيام، أي أقل بنحو أسبوع من المسار البحري التقليدي.

هنا يبرز موقع الأردن الجغرافي كحلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا، وهو موقع كان يشكل جزءًا مهمًا من حركة النقل البري الإقليمية قبل الأزمة السورية. ولا يعني ذلك الاستغناء عن النقل البحري أو التقليل من دور ميناء العقبة، بل تعزيز موقع المملكة ضمن شبكة طرق تجارية متعددة تمنح التجارة الدولية مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.

كما يمكن لمثل هذا الممر أن يدعم إنشاء مراكز لوجستية إقليمية للتخزين وإعادة التصدير. وتقدم تجربة منطقة جبل علي الحرة مثالًا واضحًا على كيف يمكن لمناطق لوجستية متكاملة أن تتحول إلى محركات للتجارة والاستثمار. وفي هذا السياق، يبرز التوجه نحو تطوير مطار شحن ومركز لوجستي في منطقة المفرق التنموية كخطوة يمكن البناء عليها لتعزيز موقع الأردن كمحور إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.

ولو مر ٥٪ فقط من تجارة أوروبا والخليج عبر ممر بري يمر بالأردن، فقد يعني ذلك حركة بضائع تقارب ٩ مليارات يورو سنويًا، مع عوائد لوجستية مباشرة وغير مباشرة يمكن أن تصل إلى مئات الملايين من الدنانير، إلى جانب تنشيط قطاعات النقل والخدمات والاستثمار. ولا سيما أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يتمتع بمضاعف اقتصادي مرتفع، حيث يمكن لكل دينار يُنفق في هذا القطاع أن يولد ما بين ١.٨ و٢.٥ دينار من النشاط الاقتصادي في القطاعات المرتبطة به.

في عالم تتغير فيه خرائط التجارة الدولية، قد لا يكون السؤال ما إذا كانت طرق التجارة ستتغير، بل كيف يمكن للدول أن تضع نفسها في موقع يسمح لها بالاستفادة من هذه التحولات. وهنا يبرز سؤال يستحق النقاش: هل يمكن للأردن أن يوظف موقعه الجغرافي ليصبح جزءًا من ممر تجاري يربط أوروبا بالخليج؟.

مواضيع قد تهمك