د. ماجد الخواجا يكتب : ميليشيا الخبراء
تتوالد
كل صباح جحافل عبر وسائل الإعلام التي تسعى لتغطية أوقات بثّها بالمواد
والبرامج ذات الإستقطاب الواسع للجمهور. ومع تطوّر الحالة الإعلامية وزيادة
المنافسة وتغيّر الأدوات والأمزجة والرغبات. فيستفيق المتلقي منذ الصباح
الباكر على استضافة ما يدعون " الخبراء" الذين تمددوا وتفرعوا في مختلف
المجالات الحياتية، وابتدع أولئك عديداً من المسميات اللافتة والجاذبة
المغلفة بنوعٍ من الريبة والهيبة. ما بين مسمى "محلل، مدرّب، خبير، أخصائي،
استشاري، ويمكن أن يتبعها كلمة من قبيل: محلل دولي، أو سياسي، رياضي،
استراتيجي، خبير تغذية، صحة إنجابية، طاقة إيجابية، هندسة بشرية، خبير أول
رئيس، ...." .
ما أن تفتح عينيك
صباحاً حتى تداهمك البرامج التي يظهر فيها شاب أو صبية ذوا مظهر جميل
وابتسامة مصطنعة عريضة، في غالب الأمر يكون من حديثي التخرّج، ويتم التعريف
به كخبير في مجالٍ ما، فيتحدث عن الإصلاح الإداري للقطاع العام وهو لم
يمارس العمل فيه ليومٍ واحد، أو ينظّر في أصول التربية والتعليم وكيفية
التعامل مع المراهقين، وهو ما زال خارج إطار الحياة الزوجية. ناهيك عن
المحلل الاقتصادي والسياسي وخبير الإرشاد الأسري، والتغذية. يقدمون وجبات
هائلة من لغو الحديث الذي ينهمر على وجداننا وتفاصيلنا، لكنه في الحقيقة
وواقع الأمر لا يقدم لقمة في معدة جائعة ومحرومة.
الخبراء
هم مجموعة من الناس يتم استضافتهم في برامج وقنوات، ويتم تسويقهم على أنهم
العباقرة المتميزون. يتنقلون من لقاء إلى لقاء آخر، ترثي لهم حجم المعاناة
في نحت الكلمات المنمقّة ولفظها برصانة مصطنعة تحاول إضفاء صفات خاصة على
صاحبها. حشو يلبّي الغايات للبرامج وللسياسات الإعلامية المعلنة والمضمرة.
إنهم
يتقمصون صفة خبير بكل أنواعها وألوانها، وتتبدل حسب القناة الإعلامية
والمواقع، مثلما تغيّر الأم ملابس ابنها تماما. في المساء يتم استضافته على
قناة باعتباره محللاً سياسياً، وهو قد اعتاد على ناقد سياسي تارة وأخرى
محلل إقتصادي، فيما يقدّم مساءً برنامجاً على قناة خاصة كـمذيع برامج
حوارية، ولا يستغنى عن وصفه كـروائي.
في
كتابه " المثقفون المزيفون" يتطرق المفكّر الفرنسي باسكال بونيفاس بإطناب
عن ما أسماه ظاهرة "صناعة خبراء الكذب" بطرق ممنهجة، وعن استحواذ هؤلاء،
المدعومين بلوبيات مؤسسات الإعلام، على كافة المنابر لعرض آراء معينة مخطط
لها من قبل. وقسَّم باسكال بونيفاس خبراء الكذب إلى ثلاثة أقسام:
المنخدعون، وهم الخبراء الذين يرتكبون أخطاء كارثية في تحليلاتهم دون قصد.
الخادعون، وهم من يؤمنون بتوجهاتٍ محددة، لكنهم يلفّقون لها الحجج المزيّفة
لحشد الناس خلفهم. والفئة الثالثة وهي الأخطر فئة المرتزقة، وهم من يدافعون عن شيء لا يؤمنون به ولكن فقط لأن الدفاع عنه يخدم مصالحهم.
الكلام
هنا ليس عن تأثير الإعلام فقط، بل عن أحد أشرّ وسائل هذا التأثير، إنهم من
يسمونهم بـالخبراء. هم مجموعة من الناس يتم استضافتهم في الحصص
والأستوديوهات على قنوات، وتُنشر مقالاتهم في أعمدة الصحف، وتُطبع كتبهم
دون أي رفض ويتم تسويقهم على أنهم العباقرة المتميزون الذين يشخّصون كل
الأمراض ويملكون أيّ حلٍّ لأية مشكلة في العالم، الذين يملكون عصا موسى
وخاتم سلميان والذين لا يجوز لك أن تعترض على ما يقولونه أو تعقّب على ما
يتحدثون به، فأنت لست بمنزلتهم الخارقة.
كيف
تكسبين زوجاً صالحاً وجميلاً؟ كيف تجد زوجةً صالحةً جميلةً وطيّعة؟ كيف
تربّين أولادك تربية دينية صالحة؟ كيف تبني مستقبلاً زاهراً في أقصر فترة؟
كيف تصبح غنياً بشركات وحسابات بنكية؟ كيف تصبح رئيساً أو مديراً عاماً
ناجحاً؟ كيف تصبح قائداً ناجحاً في السياسة والعسكر والمؤسسات؟ كيف
تصبح...؟ والصباح لن يطلع بتاتاً. هذه الأسئلة وأخرى كثيرة لها أجوبة جاهزة
عند ما يسمى ميليشيات خبراء التنمية البشرية. كل الحلول مقدَّمة على طبقٍ
من خطابٍ بليغٍ مثير.
أن تستمع
إلى خبراء التنمية البشرية، فلن تصيب من الحياة إلا شيئاً جميلاً، ولن تخطئ
مطلقاً .ً فالنجاح والمال والجاه والنساء والبنون والجنّة بيدهم وبإتباع
مقولاتهم، كل مفاتيح النجاح ملكهم، بما فيها مفاتيح الجنة.
حيثما
كان الجهل مستفحلاً ينشط دجلُ ميليشيات التنمية البشرية ويترعرع، فيتم
استهداف الفئات التي تعاني هشاشة اجتماعية أو فكرية أو سياسية أو نفسية، في
مجتمعات تغيب فيها الصحة الفكرية والثقافية والفنية وتُحارب فيها الأفكار
الرصينة التي تفتح للإنسان أسئلة العصر وعلاقة الأنا بالكون وبالآخر.