د. محمد حيدر محيلان : الأقصى وامتحان الشرعية الدولية
ليست
القدس مدينة يمكن فهم ما يجري فيها بمنطق الإجراءات الأمنية اليومية، فهي
مساحة تتداخل فيها السياسة بالتاريخ، والدين بالهوية، ويتحوّل فيها الواقع
الميداني إلى سردية طويلة الأمد في ذاكرة الشعوب. وفي قلب هذه المدينة يقف
المسجد الأقصى، لا باعتباره موقعًا دينيًا فحسب، بل بوصفه أحد أهم الرموز
الروحية والحضارية في الوعي الإسلامي والإنساني. فهو أولى القبلتين التي
توجّه إليها المسلمون في صلاتهم، وثاني مسجدٍ وُضع في الأرض بعد المسجد
الحرام بأربعين عامًا، وثالث الحرمين الشريفين الذي تُشدّ إليه الرحال، وهو
مسرى النبي محمد في ليلة الإسراء والمعراج. ومن هنا، فإن أي قيود تُفرض
على الوصول إليه لا تُقرأ باعتبارها تدابير تنظيمية مؤقتة، بل باعتبارها
مساسًا بجوهر الحرية الدينية والشرعية التاريخية في إدارة الأماكن المقدسة.
إن
ما يجري في محيط المسجد الأقصى يعكس نمطًا سياسيًا معروفًا في إدارة
النزاعات يقوم على فرض الوقائع بالتدرج. فالتاريخ الحديث يبيّن أن التحولات
الكبرى لا تبدأ بقرارات حاسمة، بل بخطوات صغيرة ومتراكمة تبدو محدودة في
ظاهرها، لكنها تعيد مع الزمن تشكيل المشهد بالكامل. وقد ظهر ذلك بوضوح في
أزمة البوابات الإلكترونية عام 2017، حين أدت إجراءات أمنية مفاجئة إلى
توتر واسع وردود فعل سياسية وشعبية كبيرة قبل التراجع عنها، ما أكد حساسية
الأقصى وتأثيره في الاستقرار الإقليمي.
وتزداد
خطورة هذا المسار في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتزاحم فيها الأزمات والحروب،
ما يحدّ أحيانًا من قدرة المجتمع الدولي على التأثير في ملفات مزمنة مثل
القدس. ففي لحظات الانشغال العالمي، تتسع الفجوة بين المبادئ القانونية
المعلنة والواقع المفروض على الأرض، وتتحول الشرعية الدولية إلى مرجعية
أخلاقية أكثر منها أداة ردع فعالة. وهذا التناقض لا ينعكس على القدس وحدها،
بل يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل النظام الدولي وقدرته على حماية القيم
التي قام عليها.
في هذا
السياق، يبرز الدور الأردني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه
محاولة استراتيجية للحفاظ على التوازن في ملف بالغ الحساسية. فالوصاية
الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمثل إطارًا سياسيًا
وقانونيًا يسعى إلى تثبيت الوضع القائم ومنع انزلاقه نحو مزيد من التصعيد.
وقد أكد الملك في خطاباته في الأمم المتحدة والمحافل الدولية أن حماية
المقدسات تمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام والاستقرار، وأن المساس بها قد
يحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للاحتواء إلى صراع ديني مفتوح يصعب ضبط
تداعياته.
إن ما يجري في
القدس اليوم يعكس صراعًا يتجاوز الأرض إلى صراع على الرواية والرمزية
الحضارية. فالمكان الذي يحمل هذه القدسية لا يمكن التعامل معه كملف أمني
تقني، لأن أثره يمتد إلى وجدان الشعوب وإلى صورة العدالة في النظام الدولي.
وكل محاولة لفرض واقع جديد دون توافق سياسي أو احترام قانوني لا تؤدي إلى
حسم الصراع، بل إلى تأجيله بصيغة أكثر تعقيدًا.
وفي
مواجهة هذا الواقع، لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتشخيص أو التعبير عن القلق،
بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مقاربة دولية عملية تقوم على حماية الوضع
التاريخي والقانوني في المسجد الأقصى. ويتطلب ذلك تحركًا جادًا من الأمم
المتحدة لتفعيل قراراتها المتعلقة بالقدس، وإيفاد لجان تقصّي حقائق دولية
مستقلة، وتمكين منظمات حقوق الإنسان من ضمان حرية العبادة وحماية الأماكن
المقدسة. كما تبرز الحاجة إلى جهد دبلوماسي عربي وإسلامي منظم يضع ملف
المقدسات ضمن أولويات الأمن الإقليمي ويمنع فرض الوقائع بالقوة.
فالقدس
اليوم أصبحت ساحة اختبار لضمير العالم وحدود قدرته على تحقيق التوازن بين
القوة والشرعية. إن تجاهل هذا الملف لا يؤجل الأزمة، بل يعيد إنتاجها بصورة
أكثر تعقيدًا، ويجعل من القدس بؤرة توتر دائمة تختبر قدرة المجتمع الدولي
على حماية القانون والتاريخ وحرية الإيمان.