مكرم احمد الطراونة : من يجرؤ على الكتابة عن مصلحة الأردن؟
أتابع بشكل يومي كتابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول الصراع الإقليمي والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران. وبعيدا عن جوهر الصراع نفسه، إلا أن الملاحظة الأهم هي موقع الأردن في هذا الصراع، والهجمة الإعلامية المنظمة ضده وضد كل من يحاول أن يقول إن ثمة ثوابت أردنية ينبغي المحافظة عليها.
خلال الفترة الأخيرة، تناول كثير من الزملاء الإعلاميين والمواطنين الحريصين على بلدهم، الصراع الدائر في المنطقة، وأكدوا أن الأردن ليس طرفا مباشرا في هذا الصراع، مثله في ذلك مثل أي دولة عربية أخرى، رغم أنه ملتزم على الدوام بجميع القرارات الأممية والعربية التي تصدر في هذا السياق.
لكن الحماسة المشكوك بدوافعها، لا تريد أن تكون الساحة الأردنية نفسها خالية من الصراع، فقد تم توظيف آلاف الأقلام والحسابات لتضخيم كل ما يصدر عن الأردن، وتحميله ما لا يحتمل من تفسيرات وإحالات، لزعزعة الثقة في دواخل المواطن الأردني، وإنفاذ مخططات لم تكن خافية على المتابعين منذ سنوات طويلة.
ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي ليس نقاشا فكريا بقدر ما هو صراع على شرعية الموقف، فعندما يتحول منشور يتحدث عن مصلحة وطنية إلى ساحة للسخرية والتقليل من شأن الوطن والكاتب، فإننا نكون أمام مشكلة في بنية الحوار العام نفسه، الذي يتحول من نقاش للأفكار نحو التشكيك في النوايا، وكأنه من غير المسموح أن يكتب مواطن ما دفاعا عن وطنه وعن توجهاته السياسية.
الحساسية العالية لدى "المعلقين" في كل أمر يتحدث عن "المصلحة الأردنية" تظهر ردود فعل حادة تصل إلى حد التخوين، وهو موقف جرى "تصنيعه" من خلال ضخ إعلامي كبير، واستثمار أموال طائلة بواسطة خصوم يريدون تحويل الأردن إلى ساحة مملوءة بالفوضى لإنفاذ أجندات تخدم توجهاتهم ومصالحهم، ولكنها بالتأكيد لا تخدم المصلحة الأردنية ولا العربية.
لقد استثمر أولئك الخصوم في "خفة" وسائل التواصل الاجتماعي وانطباعيتها، لضخ آلاف التعليقات باتهامات غير موثقة بأدلة، ليصبح التخوين أداة سهلة لإسكات الطرف الآخر بدل الدخول في حوار موضوعي معه.
ليس ذنب الأردن أن مصلحته الوطنية لا تتماشى مع مصالح جهات لا ترى فيه سوى ساحة لأوهامهم، وأنه ينطلق في كل توجهاته من مصلحة عليا، وليس من تعريفات الآخرين لمصلحته وموقفه من القضايا الإقليمية، ولا من الأيديولوجيات التي ما يزال البعض يعتبرها فوق الأوطان والمقدسات، لذلك فإن اختلاف التصورات بيننا وبين أولئك هو حق لنا، نمارسه كمواطنين يعيشون بأمان داخل دولة استطاعت أن توفر لمواطنيها سبل العيش من دون أن يتهددهم النزوح واللجوء والقتل.
من الصعب إنكار أن الأردن يتعرض لموجات منظمة من التشويه الإعلامي، مصدرها أطراف إقليمية مختلفة تحاول خلط الأوراق في إقليم مضطرب بالأصل، ولتشكيل أداة ضغط سياسية من خلال تضخيم بعض القضايا أو إعادة تأطير مواقف الأردن بطريقة توحي بأنه يتصرف ضد مصالح طرف معين.
لكن ما لا يعرفه هؤلاء، هو أن الأردن لا يتبنى مواقف موسمية حسب الحاجة، فهو يدرك أنه يتموضع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية جيوسياسية، بين احتلال وفوضى إقليمية ومطامع دولية، ووسط هذا الخراب يحاول الأردن البقاء في موقع الدولة المستقرة التي تدير علاقاتها مع الجميع دون الانخراط في صراعات المحاور. مصلحة الأردن ستبقى في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وإدارة توازن في علاقاته الخارجية، والأهم، منع انتقال الصراعات الإقليمية إلى الداخل.
الأردن ليس ساحة جانبية في الإقليم، بل دولة تقع في مركز معادلة حساسة بين الجغرافيا والسياسة، وأي نقاش رصين حوله يجب أن ينطلق من فهم هذه المعادلة. ــ الغد