الأخبار

د. محمد صبحي العايدي : إشكالية المقاومة (1): من قدسية القضية إلى فوضى السلاح

د. محمد صبحي العايدي : إشكالية المقاومة (1): من قدسية القضية إلى فوضى السلاح
أخبارنا :  

هل كل بندقية مقاومة؟ وهل كل مقاومة بندقية؟
هذه الأسئلة البسيطة تختصر واحدة من أكثر الإشكالات الفكرية والسياسية تعقيداً في عالمنا العربي والإسلامي، إشكالية مفهوم المقاومة، فالمقاومة لا تحصر في شعار سياسي، ولا في حالة عاطفية، ولا ردة فعل غاضب على ظلم واقع، بل هي فعل مركب، يتطلب شروطاً أخلاقية وسياسية وإستراتيجية، حتى يظل منتمياً إلى القضية التي ولد من أجلها، لكن المأساة التي نعيشها اليوم أن مفهوم المقاومة نفسه أصبح واحداً من أكثر المفاهيم التباساً، واستخداماً خارج سياقه.


ففي عالمنا العربي والإسلامي يكاد يكفى أن ترفع جماعة شعار المقاومة، حتى تحصل على حصانة أخلاقية مجتمعية كاملة، وكأن هذا الشعار وحده كفيل بإلغاء كل الأسئلة الأخرى:
من يملك قرار الحرب؟ ومن يقدر موازين القوة؟ ومن يتحمل نتائج الدم والدمار؟ فالقضية العادلة قد تهزم أحياناً بسبب سوء إدارة الصراع، لا بقوة العدو.
والإشكالية الكبرى في كثير من الحركات التي ترفع راية المقاومة في عالمنا العربي والإسلامي، أنها تبدأ من العاطفة قبل العقل، ومن الشعار قبل التخطيط الإستراتيجي، فهي تطلق الشعارات الكبرى أولاً، ثم تستنهض الجماهير حولها، وتخلق حالة عامة تجعل التراجع عنها مستحيلاً، ثم بعد ذلك تبدأ في البحث عن الطرق التي يمكن أن تحقق تلك الشعارات.
وهنا يقع الخلل المنهجي، فالسياسة فن ترتيب الإمكانات، لا فن إطلاق الشعارات، والحركات الرشيدة لا تبدأ بتعبئة الشارع أولاً، ثم تبحث عن الحلول، بل تبدأ بالسؤال عن القوة اللازمة لمواجهة الواقع، فالآية الكريمة طلبت القوة لأي مواجهة كما قال تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» فما يمكن أن نفعله فعلاً، وما حجم القوة المتاحة، وما مآلات الصراع، بعد ذلك فقط تصاغ الشعارات، بوصفها اختصاراً رمزياً لخطة إستراتيجية واضحة.
أما حين يحدث العكس، فيرفع الشعار قبل أن تبنى الخطة، فإن الجماهير تتحول إلى وقود لمعارك لم تحسم شروطها بعد، ويصبح القادة أسرى للشعارات التي أطلقوها هم أنفسهم، وهكذا تتحول المقاومة من مشروع عقلاني، إلى سياسة انفعالية تحكمها العاطفة أكثر مما تحكمها تقدير الأمور والمالآت.
وهنا تبدأ المعضلة الكبرى، حين تقرر جماعة- مهما كانت نيتها- الحرب عن أمة كاملة، وتصبح الدول رهينة لقرارات مجموعات لا تتحمل وحدها نتائج الكارثة، لأن الحرب قرار يحدد مصير شعب كامل، وليس مجرد عمل عسكري، فعندما تنتقل السلطة إلى جماعات مسلحة متعددة، فإن المجتمع يدخل بما يسمى «حالة الطبيعة السياسية»، حيث تتعدد البنادق وتضيع المسؤولية.
إذن ليست المشكلة في المقاومة نفسها، فهي حق تقره الشرائع والقوانين الدولية لكل شعب يتعرض للظلم أو الاحتلال، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المقاومة من أداة لتحرير الأرض إلى نظام سياسي مواز للدولة، وعندها تتحول البندقية من وسيلة إلى غاية، وتتحول القضية من مشروع تحرر إلى مشروع سلطة، والتاريخ يخبرنا أن كثيراً من حركات التحرر حين فقدت البوصلة تحولت من مقاومة إلى مليشيا، ومن مشروع تحرير إلى أداة في صراعات إقليمية أو دولية.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات قسوة في تاريخ الصراعات المعاصرة، هي أن كثيراً من حركات المقاومة لا تولد في حضن القضية، بل في حضن التوازنات الإقليمية، فتصبح القضية الكبرى مجرد عنوان، بينما تتحكم في مسار الصراع أجندات خارجية، وهنا لا تعود المقاومة ابناً شرعياً للقضية، بل تصبح ربيبة لمشاريع سياسية أخرى.
ولذا فإن أعظم حركات التحرر في التاريخ لم تبدأ بالسلاح، بل بدأت ببناء مجتمع قادر على حمل السلاح، هكذا فعل صلاح الدين الأيوبي عندما وحد الأمّة وزرع الوعي الكافي للمواجهة وحمل السلاح، وجمع المجتمع على قضية واحدة، ليتخطى حالة الانقسام، عندها استطاع أن يواجه الأعداء وينتصر، ويبني مجتمعا يعرف لماذا يقاتل، وكيف يقاتل، ومتى يقاتل.
فالسؤال الحقيقي ليس هل نحن مع المقاومة أم ضدها؟ بل السؤال الأعمق، أي مقاومة نريد؟ مقاومة تحرير الأرض أم مقاومة تدير صراعاً بلا أفق؟ مقاومة تحمي المجتمع؟ أم مقاومة تجعل المجتمع وقوداً لحروب لا تنتهي؟ فإن البندقية التي ولدت لتحرير الأرض قد تتحول – دون أن نشعر- إلى بندقية تطلق النار على مستقبل القضية نفسها.
*باحث في الفكر الإسلامي  ــ الغد

مواضيع قد تهمك