د. رعد محمود التل : أكاديمية الإدارة الحكومية
إقرار الأسباب الموجبة لمشروع نظام الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية لسنة 2026 يفتح نقاشاً جدياً حول مستقبل بناء القدرات في القطاع العام، فمشروع القانون هو جزء من مسار أوسع يتصل بتحديث الإدارة العامة وربط كفاءة الجهاز الحكومي بأهداف التحديث الاقتصادي. فعلى مدى سنوات، شكّل معهد الإدارة العامة الإطار المؤسسي الرئيس لتدريب موظفي الدولة. وقد قدّم برامج متنوعة أسهمت في تطوير مهارات عدد كبير من العاملين في القطاع العام. غير أن نموذج عمله كان يعتمد غالباً على دورات قصيرة ومتفرقة، تنفذ استجابة لاحتياجات محددة، من دون أن تكون دائماً جزءاً من مسار مهني متكامل أو منظومة كفايات وطنية موحدة مربوطة بالترقية أو التعيين. بصراحه هذا النموذج أدى وظيفة مهمة، لكنه لم يعد كافياً في ظل التحولات المتسارعة في بيئة العمل الحكومي.
في المقابل، يقوم التصور الجديد للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية على فكرة مختلفة نسبياً، ويقع الفرق الجوهري في الانتقال من جهة تقدم برامج تدريبية، إلى مؤسسة يفترض أن تدير منظومة وطنية متكاملة لبناء القدرات. أي أن دورها لا يقتصر على التنفيذ، بل يشمل وضع المعايير، واعتماد المناهج، وتوحيد أطر التدريب، وضبط جودة مزودي الخدمة على مستوى القطاع العام.
لا شك أن التحول المقترح مهم ويعكس إدراكاً متزايداً بأن كفاءة الجهاز الحكومي أصبحت عاملاً حاسماً في النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار وتحسين جودة الخدمات. اقتصادياً، يرتبط أداء الدولة بكفاءة إدارتها، فكل تحسن في تصميم السياسات، أو سرعة اتخاذ القرار، أو كفاءة تنفيذ المشاريع، ينعكس مباشرة على بيئة الأعمال وكلفة المعاملات وثقة المستثمرين. لذلك فإن الاستثمار في تدريب القيادات والكوادر الحكومية لا ينبغي النظر إليه كنفقات جارية، بل كاستثمار طويل الأجل في الإنتاجية المؤسسية.
من أبرز أوجه الاختلاف أيضاً تركيز الأكاديمية على القيادات وصنع السياسات، فالمعهد يخدم مستويات وظيفية متعددة ببرامج عامة. أما الأكاديمية، بحسب مشروع النظام، فتتجه إلى إعداد وتأهيل القيادات الحكومية بشكل منهجي، وربط التدريب بالمسارات الوظيفية وبالكفايات المطلوبة لكل مستوى إداري. هذا الربط مهم لأنه يعالج واحدة من أبرز مشكلات التدريب الحكومي، وهي ضعف العلاقة بين البرامج التدريبية ونظام الترقية أو تقييم الأداء.
كذلك، يفترض أن تضطلع الأكاديمية بدور تنظيمي وتنسيقي أوسع، في النموذج السابق لم يكن هناك إطار وطني موحد لاعتماد مزودي التدريب والمناهج لجميع الجهات الحكومية.
توحيد الأطر والمعايير يمكن أن يحد من الازدواجية، ويرفع كفاءة الإنفاق، ويضمن أن الموارد المخصصة للتدريب تحقق عائداً مؤسسياً واضحاً. لكن هذا الدور التنظيمي يحتاج إلى وضوح في الصلاحيات وتكامل مع وحدات الموارد البشرية في الوزارات والمؤسسات، حتى لا تنشأ فجوات أو تداخلات جديدة.
من زاوية التحديث الاقتصادي، يتقاطع إنشاء الأكاديمية مع التحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي. فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي. النجاح يعتمد على قدرة الموظف على استخدامها، وعلى تطوير العمليات حولها، وعلى صياغة سياسات قائمة على البيانات. بناء قدرات في مجالات تحليل البيانات، وإدارة المشاريع الرقمية، وصنع القرار المبني على الأدلة، يمكن أن ينعكس مباشرة على جودة الخدمات وسرعة الإنجاز.
النموذج التشاركي المقترح مع الجامعات والقطاع الخاص يمثل بعداً إضافياً في هذا التحول، حيث أن إشراك الشركات الأردنية في تطوير حلول تعليمية وتدريبية حديثة قد يعزز جودة البرامج، ويدعم نمو قطاع خدمات التعليم والتدريب، ويفتح فرصاً إقليمية. لكن نجاح هذا النموذج يتطلب إطاراً واضحاً للاعتماد والرقابة، يضمن الجودة ويمنع تضارب المصالح. مع ذلك، يبقى الفارق الحقيقي مرهوناً بالتطبيق! لأن إنشاء مؤسسة جديدة لا يضمن وحده تحسناً في النتائج. فإذا بقيت البرامج منفصلة عن نظام الحوافز والترقية، فلن يختلف الأثر كثيراً عن السابق. وإذا لم تُربط مخرجات التدريب بمؤشرات أداء واضحة، مثل زمن إنجاز المعاملات أو جودة السياسات أو كفاءة تنفيذ المشاريع، فإن الانتقال من المعهد إلى الأكاديمية سيبقى تغييراً تنظيمياً أكثر منه تحولاً مؤسسياً.
الاختبار الحقيقي سيكون في السنوات الأولى
من التطبيق، وعندها فقط يمكن تقييم ما إذا كان هذا التحول قد نجح في إعادة
تعريف مفهوم بناء القدرات في الدولة، وربطه فعلياً بأداء أفضل وخدمة عامة
أكثر كفاءة. الأكاديمية يُفترض أن تكون مؤسسة مهمة لإدارة رأس المال البشري
الحكومي بشكل استراتيجي، وأن تمثل أداة من أدوات إصلاح الإدارة العامة.
مجدداً، الفرق بين المؤسسات لا يُحسم بالنصوص وحدها، بل بمدى القدرة على
تحويل التدريب إلى نتائج ملموسة تنعكس على كفاءة الحكومة وعلى الاقتصاد
ككل!. ــ الراي