رومان حداد : من يخلق الرأي العام ومن يتحكم به؟
في كل قضية ذات علاقة بالشأن العام أو تمس المجتمع يعاد طرح مصطلح "الرأي العام"، ويتم الحديث عنه وكأن من يتحدث مستخدماً هذا المصطلح قادر على توظيف الرأي العام مع إدراكه كيفية تشكيله، ورغم أهمية الرأي العام في القضايا المختلفة، إلا أن التطورات المتسارعة في بنية عملية الاتصال والتركيبات الاجتماعية المعقدة أدت إلى أن الرأي العام اليوم لم يعد نتاجاً تلقائياً لتفاعل الناس مع الأحداث، كما كانت النظريات الكلاسيكية تفترض، بل بات ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها السياسة والإعلام والاقتصاد والتكنولوجيا، وتتنافس فيها قوى متعددة على توجيه الإدراك الجمعي أكثر من السعي لإقناع العقل الفردي.
وفي ظل هذه التشابكات لم يعد سؤال "من يحكم الرأي العام؟" سؤالاً فلسفياً أو أكاديمياً فقط، بل تحول إلى سؤال سياسي مركزي، لأن من ينجح في التحكم بالرأي العام يمتلك القدرة على التأثير في القرار، وتبرير السياسات، وإعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض في المجتمع.
في السابق، كان يُنظر إلى الرأي العام بوصفه تعبيراً عن إرادة المجتمع، ويتشكل عبر النقاشات العامة من خلال الأحزاب والنقابات ووسائل الإعلام التقليدية، أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة، حيث لم يعد الرأي العام بالضرورة انعكاساً لما يفكر به الناس، بل لما يتم دفعهم للتفكير فيه، وما يعيد ترتيبه في وعيهم بوصفه أولوية لهم، حيث صارت المجتمعات محكومة عبر ما يمكن تسميته بإدارة الانتباه وتحديد الأجندة والتحكم في تدفق المعلومات.
تلعب وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في هذا السياق، لكن ليس بوصفها ناقلاً محايداً للخبر، بل كفاعل سياسي غير معلن في كثير من الأحيان، فاختيار ما يُنشر وما يُهمل وطريقة الصياغة والعناوين والصور في وسائل الإعلام التقليدية هي العناصر التي تشارك في تشكيل الانطباعات، والتي هي الحقائق لدى من يملكونها.
ولكن مع صعود المنصات الرقمية، لم يعد الإعلام محصوراً في مؤسسات كبرى، بل أصبح فضاء مفتوحاً تتحرك فيه حسابات فردية وشبكات منظمة، وخوارزميات تقرر ما يصل إلى المستخدم وما يتم دفنه في زحام المحتوى، حيث أصبحت الخوارزميات أحد أهم اللاعبين في تشكيل الرأي العام والتحكم به، فهي وإن كانت لا تفرض رأياً بشكل مباشر، لكنها تحدد ما نراه ومتى نراه، وكم مرة يتكرر أمامنا، ومع الوقت، يتحول التكرار إلى قناعة، وتتحول القناعة إلى شعور بأن هذا هو "رأي الأغلبية"، حتى وإن لم يكن كذلك، وهنا، يصبح الرأي العام نتاجاً لتصميم تقني، لا لحوار اجتماعي مفتوح.
ورغم ماسبق، إلا أن ذلك لا يمنع من أن تلعب النخب السياسية والاقتصادية دوراً حاسماً في توجيه الرأي العام، ليس فقط عبر الخطاب المباشر، بل عبر خلق بيئات تفسيرية جاهزة، فحين يتم تقديم الأزمات بوصفها "قدراً لا مفر منه"، أو يتم اختزال الخيارات السياسية في بدائل محدودة، فإن الرأي العام تتم إدارته ضمن هامش ضيق من الاحتمالات، وفي كثير من الأحيان، لا يتم الطلب من الناس أن يؤيدوا سياسة بعينها، بل أن يتعايشوا معها، أو أن يشعروا بأنه لا يوجد خيار أفضل من المطروح.
كما لا يمكن تجاهل دور الخوف والقلق في حكم الرأي العام، فالمجتمعات التي تعيش في حالة تهديد دائم، سواء أكان أمنياً أو اقتصادياً أو هوياتياً، تكون أكثر قابلية لتقبّل السرديات الجاهزة، وأكثر استعداداً للتنازل عن النقاش النقدي مقابل الشعور بالأمان، في هذه الحالة، لا يُحكم الرأي العام عبر الإقناع العقلاني، بل عبر إدارة المشاعر، خصوصاً الخوف والغضب والقلق من المستقبل.
ومع ذلك، فإن الرأي العام ليس كتلة صماء يمكن التحكم بها إلى ما لا نهاية، فالتجارب المتراكمة وتناقض الخطاب وانكشاف التلاعب، كلها عوامل تؤدي بمرور الوقت إلى تآكل الثقة، وحين تتراجع الثقة، يصبح الرأي العام متقلباً وسريع التأثر، وأحياناً عدائياً تجاه كل ما يصدر عن النخب، وهو ما نشهده في كثير من المجتمعات اليوم.
ولذلك
فإن إدارة الرأي العام قد تنجح مرحلياً، لكنها لا تبني شرعية مستدامة،
والفرق كبير بين رأي عام تتم إدارته ورأي عام يشارك في عملية صناعة القرار،
ففي الحالة الأولى يكون الرأي العام قابلاً للانفجار عند أول صدمة كبرى،
وفي الحالة الثانية يكون الرأي العام أكثر قدرة على امتصاص الأزمات. ــ الراي